الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عبد الواحد الوكيل وروح العمارة الإسلامية.. مساجد واماكن للعبادة تستوحي الابداع

بواسطة azzaman

عبد الواحد الوكيل وروح العمارة الإسلامية.. مساجد واماكن للعبادة تستوحي الابداع

 نوري جاسم

 

يُعدّ المعماري المصري عبد الواحد الوكيل (1943) أحد أبرز أعلام العمارة الإسلامية المعاصرة، ليس لأنه شيّد مساجد وقصورًا أصبحت علامات معمارية في العالم الإسلامي فحسب، بل لأنه حمل مشروعًا فكريًا متكاملًا سعى من خلاله إلى إعادة الاعتبار للعمارة الإسلامية بوصفها لغة حضارية حيّة، لا مجرد أشكال تاريخية أو زخارف تراثية. لقد انطلق الوكيل من قناعة راسخة بأن أزمة العمارة العربية الحديثة ليست أزمة تقنيات بناء، وإنما أزمة هوية وفلسفة ورؤية. وتأثر الوكيل بعمق بأستاذه المعماري حسن فتحي، لكنه لم يكن مجرد امتداد لمدرسته، بل عمل على تطوير أفكارها وإعطائها بعدًا عالميًا. فإذا كان حسن فتحي قد ركّز على عمارة الإنسان البسيط والبيئة المحلية، فإن الوكيل نقل هذه الرؤية إلى مشروعات كبرى، وأثبت أن العمارة الإسلامية قادرة على إنتاج مبانٍ معاصرة تجمع بين الجمال والوظيفة والبعد الحضاري.

ويقوم مشروعه المعماري على فكرة جوهرية مفادها أن العمارة ليست كتلًا من الحجر والإسمنت، وإنما هي تعبير عن ثقافة المجتمع وقيمه.

فقدان الهوية

 لذلك رفض أن تكون المباني نسخًا مستوردة من الغرب لا تنتمي إلى البيئة العربية والإسلامية، ورأى أن فقدان الهوية المعمارية هو أحد مظاهر الاغتراب الحضاري الذي أصاب المدن العربية في العصر الحديث. ومن أبرز ما يميز فلسفة الوكيل أنه لم يدعُ إلى تقليد الماضي أو إعادة إنتاجه بصورة جامدة، بل دعا إلى فهم المبادئ التي قامت عليها العمارة الإسلامية ثم توظيفها بلغة معاصرة. فالقباب، والأقواس، والأفنية، والمشربيات، ليست عنده عناصر زخرفية، وإنما حلول معمارية استجابت عبر التاريخ للمناخ والخصوصية الاجتماعية والجمالية، ولذلك فإن قيمتها تكمن في فلسفتها قبل شكلها.

وكما أولى الوكيل اهتمامًا بالغًا بمواد البناء المحلية، وبالحرف التقليدية التي كادت تندثر أمام هيمنة الخرسانة والحديد والزجاج. وكان يؤمن بأن المادة ليست مجرد وسيلة للإنشاء، بل جزء من هوية المبنى وانتمائه إلى بيئته.

ولهذا جاءت أعماله شاهدة على إمكانية الجمع بين التقنيات التقليدية ومتطلبات العصر، دون التضحية بالأصالة أو الكفاءة الوظيفية.

وتجسد مساجد قباء، والقبلتين، والملك سعود، ومسجد الكورنيش في جدة، هذا التصور بوضوح؛ إذ لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل نماذج تؤكد أن العمارة الإسلامية لا تزال قادرة على الإبداع والابتكار عندما تُبنى على فهم صحيح لتراثها، لا على استنساخه. ومع ذلك، فإن المشروع الفكري لعبد الواحد الوكيل لم يسلم من النقد. فقد رأى بعض المعماريين أن تمسكه بالمفردات التقليدية قد يحد من قدرة العمارة على مواكبة التحولات التقنية والاجتماعية المتسارعة، كما اعتبر آخرون أن بعض أعماله تحتاج إلى مهارات حرفية وتكاليف لا تتوافر دائمًا في مشاريع البناء الحديثة. وهي ملاحظات تستحق النقاش، إلا أنها لا تنتقص من القيمة الفكرية لمشروعه، لأنها تتعلق بآليات التطبيق أكثر مما تتعلق بجوهر الفكرة. وفي المقابل، أثبت الوكيل أن الحداثة لا تعني القطيعة مع الماضي، وأن الأصالة ليست نقيضًا للإبداع. فقد قدّم نموذجًا معماريًا يؤكد أن المبنى يمكن أن يكون حديثًا في وظيفته وتقنياته، وأصيلًا في لغته وروحه في آن واحد. وهذه المعادلة هي التي منحت أعماله حضورًا عالميًا، وجعلتها محل تقدير المؤسسات المعمارية الدولية. ولقد نجح عبد الواحد الوكيل في تحويل العمارة الإسلامية من موضوع للدراسة التاريخية إلى مشروع حضاري معاصر، وربط بين البيئة والإنسان والعقيدة والجمال في رؤية متكاملة.

مدينة عربية

 ومن هنا تكمن أهميته الحقيقية؛ فهو لم يكن معماريًا يصمم مباني فحسب، بل مفكرًا أراد أن يعيد للمدينة العربية والإسلامية ذاكرتها وروحها، وأن يثبت أن التراث ليس عبئًا على الحاضر، بل مصدرًا دائمًا للإبداع والتجدد.

ويبقى عبد الواحد الوكيل شاهدًا على أن العمارة العظيمة لا تُقاس بارتفاع مبانيها أو غرابة أشكالها، وإنما بقدرتها على التعبير عن هوية الإنسان، وصناعة مكان يشعر فيه بالانتماء والسكينة والجمال. وهذا هو الإرث الفكري الذي سيظل يمنح تجربته قيمتها في تاريخ العمارة الإسلامية المعاصرة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما  ..

 

 


مشاهدات 39
الكاتب  نوري جاسم
أضيف 2026/08/15 - 2:20 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 3:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 231 الشهر 15316 الكلي 16105020
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير