الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهروب من الجحيم

بواسطة azzaman

كلام أبيض

الهروب من الجحيم

جليل وادي

 

في كل مرة أطرح سؤالا وأجيب عنه بحسب ما أظن، وأود هذه المرة طرح السؤال على حضراتكم، ولكم ان تجيبوا كما ترون، وسأكون ممتنا اذا علقتوا على صفحتي الشخصية بالفيس بوك، فقد سمعنا ورأينا خبرين لحدثين مهمين، أحدهما من المشرق العربي والآخر من مغربه، فمن المشرق وتحديدا من بلدنا العراق أطلت علينا وزارة الداخلية لتخبرنا انه خلال الستة أشهر الماضية فقط شهدت البلاد (617) حالة انتحار، ومن المغرب فر لاجئين الى اسبانيا ما يقرب من (90)  الف شاب، مغامرين بحياتهم في البحر باتجاه مدينة سبتة، واذا كان هذا ما يحدث في مشرق الوطن العربي ومغربه، فان ما يجري في وسط هذا الوطن قد يكون أعظم وأمر.

طبعا انا واثق ان أعداد المنتحرين في بلادنا وبخاصة من النساء أكثر مما أعلنته الوزارة، لأن العديد من العوائل تتستر على هذه الجريمة مراعاة لسمعتها، والسؤال لماذا ينتحر أبناؤنا في جريمة لا يقبل بها القانون والشرع، فهل بلغ بهم اليأس مبلغا بحيث لم يعودوا قادرين على احتمال حياتنا ؟، مع انهم يعرفون ان الانتحار انتقال من جحيم الدنيا الى جحيم الآخرة، ربما وصلوا الى طرق مسدودة لا مخرج منها لمواصلة حياتهم، فصار عندهم الموت خلاصا، يقول علماء الاجتماع : ليس هناك مجرمون بالفطرة، بل ان المجتمع هو من يصنع المجرمين، وأضيف انه هو السبب وراء المنتحرين، يفكر بعض الشباب والشابات بالانتحار عندما يظنون انه أصبح مستحيلا تحقيق ما يتطلعون له من أهداف لحياة كريمة وبهيجة ومستقبل آمن، وكذلك عندما لا يسمح لهم المجتمع بتحقيق رغباتهم المشروعة، او الشعور بلا جدوى ما تحقق من انجازات، او قناعتهم بعدم الانتماء للمجتمع، بالتأكيد لا أنفي تقديرات الشباب الخاطئة المرتبطة بعدم الوعي.

أجزم بأن هذه الظاهرة المؤسفة ستتسع، لأن حياتنا تمضي من سيء الى أسوأ، ولأن الحكومات لدينا تتعامل بلامبالاة مع الظاهرة ولم تدرسها بعناية من متخصصين لتتخذ الاجراءات المناسبة للحد من هذا الغول المرعب، مثلا ماذا فعلت الحكومات لمعالجة ظاهرة العنوسة، ومساعدة الشباب على الزواج.

وكذلك كلما ازدادت نسبة البطالة ازدادت الجريمة بضمنها الانتحار، ماذا يفعل شاب مسؤول عن عائلة ولا يجد فرصة عمل؟، فضلا عن عدم أمله في الحصول عليها مستقبلا، وهذه مسؤولية الحكومات التي لم تقدر على خلق فرص عمل، كما انها غير عادلة في توزيع ما يتوافر منها، بخاصة في المؤسسات الرسمية، فسمحت للمتنفذين بالاستحواذ عليها، بينما تركت الآخرين يهيمون على وجوههم، ربما تشاركوني الرأي بان تفاوتا طبقيا صار يتشكل في المجتمع، شريحة ثرية تنعم برغيد العيش وأخرى تبحث في المزابل عن لقمة العيش.

تتلمسون معي ان غالبية أفراد مجتمعنا لا يشعرون بالسعادة، الجميع قلقون وخائفون مما يخبئه المستقبل، وافتقاد هذا الشعور ينتج الكثير من الظواهر غير المرغوب فيها، هذا الواقع المأساوي وعلى مدى عقود طويلة تصل الى أكثر من نصف قرن والذي يصفه البعض بالجحيم يدفع الكثير من الشباب الى الهروب منه، تخيلوا معي : لو أتيحت الفرصة للشباب العربي اللجوء الى البلدان الأوربية دون صعوبات وتكاليف، بتقديركم كم سيظل من شبابنا في أوطانهم ؟، مع ان هذه الدول بنظرنا دول كافرة ومجتمعاتها مفككة وثقافتها تختلف عما نؤمن به، والكثير منها يناصبنا العداء.

وفي الوقت الذي نفرط فيه بشبابنا موتا وتهجيرا، يحتضنهم الغرباء، ويستثمر طاقاتهم في تنمية مستدامة يسابقون بها الزمن، بينما المتبقي من شبابنا يتسكع في الكوفيات، ويقضون جل وقتهم ساهرين حتى الصباح، ويهدرون نهارهم بالنوم حتى ان بعضهم لم ير شروق الشمس من سنوات، تحسدنا الدول بأن مجتمعنا شبابي ونسبة كبار السن فيه ضئيلة على عكسهم، ولا يدرون ان حكوماتنا وشعوبنا تدفع بشبابها نحو الانتحار والهجرة، ولا أحد من الذين تربعوا على رؤوسنا وليس صدورنا يفكر بإصلاح الخراب، مع ان سبل الاصلاح واضحة كالشمس، لكن تخلفهم العميق ونظراتهم الضيقة ومصالحهم الواسعة جعلت من حياتنا جحيما، كما جعلها من قبلهم سوداء كليل بهيم، وبرغم لوعة هذا الجحيم لكن على شبابنا عدم الاستسلام، فالحياة البهيجة لا يصنعها سوى الشباب وليس غيرهم ابدا

jwhj1963@yahoo.com

 


مشاهدات 57
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/08/08 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 8761 الكلي 16098465
الوقت الآن
الأحد 2026/8/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير