الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رسالة من مغسل أبيض

بواسطة azzaman

رسالة من مغسل أبيض

نوال الجراح

 

بينما كنت أتابع مع زوجي أعمال الترميم في منزلنا، وقع خطأ غير مقصود من عامل الصحيات أثناء تثبيت المغسل الجديد الذي اخترته بعناية. فعندما ثبّت المرآة، استخدم البراغي مباشرة من دون وضع حاجز يحمي سطح المغسل الأبيض ، فتطايرت عليه نقاط سوداء صغيرة جدًا، لكنها كانت كثيرة بما يكفي لتشوّه منظره الجميل.

أزعجني المشهد كثيرًا، وشعرت بحزن حقيقي، خاصة أننا لم نستخدم المغسل بعد، وكان كل شيء جديدًا ونظيفًا.

لكن بعد ساعة من ذلك، توقفت عن الاستسلام للمشاعر السلبية، وقررت أن أنظر إلى الموقف من زاوية أخرى. سألت نفسي السؤال الذي اعتدت أن أطرحه كلما مررت بموقف يلفت انتباهي:

ما الرسالة التي يريد الله أن يعلمني إياها من هذا الحدث؟

أطلقتُ السؤال، وتركت الجواب لله.

وقبيل النوم، قذف الله في قلبي خاطرًا غيّر نظرتي كلها.

إذا كنا نحزن كل هذا الحزن على نقاط سوداء سقطت على قطعة من أثاث المنزل، فهل نحزن بالقدر نفسه، أو أكثر، على النقاط السوداء التي تتساقط على قلوبنا بفعل الذنوب والغفلة، حتى تفقد شيئًا فشيئًا صفاءها ونورها ؟

كم من كلمة، أو موقف، أو خسارة، أتعبتنا وأثقلت نفوسنا، بينما كان بإمكاننا تجاوزها لو غيّرنا طريقة تفكيرنا، ونظرنا إليها من زاوية أكثر اتساعًا وإيمانًا.

وفي المقابل، كم هو مؤلم أن تتراكم الذنوب الصغيرة في القلب حتى تُضعف علاقته بالله، وتُبعده عن الطاعة، وتحرمه لذة القرب والسكينة، وهو لا يشعر إلا بعد أن يثقل قلبه بما حَمل.

عندها اختفى حزني على المغسل، وحلّ مكانه دعاء صادق:

اللهم اجعل قلبي نقيًا كنقاء ذلك البياض قبل أن تلوثه الذنوب، وطهّره بفضلك ورحمتك، وأعنّي على أن ألقاك بقلب سليم، حسن النية، صادق العمل، جميل الكلمة، رحيمًا بخلقك، ساعيًا إلى مرضاتك ما استطعت.

لقد علمتني تلك النُّقط السوداء درسًا، علّم في قلبي وترك فيه نقطة بيضاء أسعى أن تزداد حتى يبقى نقياً.

علمتني أن كثيرًا من أحداث الدنيا، مهما بدت كبيرة، تبقى صغيرة إذا قورنت بما يمس دين الإنسان.

منذ ذلك اليوم، لم تعد تلك النُّقط السوداء بالنسبة لي مجرد أثرٍ على مغسلٍ جديد، بل أصبحت مرآةً أراجع بها قلبي كلما انشغلتُ بأمرٍ من أمور الدنيا.

لقد أيقنتُ أن الأشياء يمكن إصلاحها أو استبدالها، أما القلب إذا تراكمت عليه الذنوب ولم يُبادر صاحبه إلى تطهيره، فقد يخسر أعظم ما يملك.

لذلك، كلما أحزنني موقف، سألتُ نفسي: هل أصاب هذا الحدث قلبي أم شيئًا من الدنيا؟ فإن كان نصيبي من الدنيا، هان الأمر، وإن كان نصيبي من قلبي، فهناك يبدأ الاهتمام الحقيقي.

فالسعيد ليس من عاش في بيتٍ بلا عيوب، وإنما من لقي الله بقلبٍ سليم، وأسال الله أن أكون منهم.

 


مشاهدات 23
الكاتب نوال الجراح
أضيف 2026/08/08 - 2:30 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 1:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 8761 الكلي 16098465
الوقت الآن
الأحد 2026/8/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير