الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخروج من عباءة النفط

بواسطة azzaman

الخروج من عباءة النفط

حسين علي الحمداني

 

منذ اكتشاف النفط، تشكل الاقتصاد العراقي حول معادلة واحدة تكاد تختزل الدولة كلها: برميل نفط مقابل موازنة عامة. فعندما ترتفع الأسعار تتوسع النفقات وتزداد الإيرادات، وعندما تنخفض تدخل البلاد في دوامة التقشف والأزمات المالية. وخلال عقود طويلة تحول النفط من نعمة اقتصادية إلى مصدر اعتماد شبه كامل، حتى أصبحت الدولة أسيرة سوق عالمية لا تملك التحكم بتقلباتها.

هذه المعادلة وفرت مورداً مالياً كبيراً، لكنها لم تنجح في بناء اقتصاد متنوع قادر على خلق فرص العمل أو تطوير الصناعة والزراعة والخدمات. ولهذا لم يعد الحديث عن تنويع الاقتصاد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

في هذا السياق يبرز مشروع طريق التنمية بوصفه أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمتلكها العراق منذ عقود. فهو ليس مجرد طريق سريع أو خط سكك حديدية، وإنما رؤية اقتصادية تقوم على استثمار الموقع الجغرافي الفريد للعراق، وتحويله من بلد يعتمد على تصدير النفط الخام إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة والخدمات اللوجستية.

ويمتد المشروع من ميناء الفاو الكبير إلى الحدود التركية عبر شبكة حديثة من السكك الحديدية والطرق السريعة، ليختصر زمن انتقال البضائع بين آسيا وأوروبا بصورة كبيرة مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية. وهذه الميزة تمنح العراق فرصة حقيقية للدخول في المنافسة على حركة التجارة الدولية، وهي سوق تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات سنوياً.

غير أن أهمية المشروع لا تكمن في رسوم العبور وحدها، بل فيما يمكن أن يولده من نشاط اقتصادي على امتداد مساره. فالمناطق الصناعية، والمخازن اللوجستية، والمدن السكنية، ومراكز الصيانة، وشركات النقل، والخدمات المالية، كلها تمثل حلقات في سلسلة قيمة اقتصادية قادرة على توفير عشرات الآلاف من فرص العمل وتحريك الاستثمار المحلي والأجنبي.

لكن النجاح لا يتحقق بمجرد إنشاء البنية التحتية. فالمشروع يحتاج إلى إرادة سياسية مستقرة، وتشريعات اقتصادية جاذبة، وإدارة كفوءة، ومنظومة جمركية حديثة، وبيئة استثمارية آمنة، فضلاً عن مكافحة الفساد الذي كان سبباً رئيسياً في تعثر مشاريع استراتيجية كثيرة خلال العقود الماضية.

كما أن التحدي الأكبر يتمثل في تغيير طريقة التفكير الاقتصادي. فالعراق لا ينبغي أن يكتفي بدور الممر الذي تعبره البضائع، بل يجب أن يتحول إلى مركز للإنتاج والتصنيع وإعادة التصدير، بحيث تتحول حركة التجارة إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، لا إلى رسوم عبور محدودة.

إن الخروج من عباءة النفط لا يعني التخلي عن النفط، فهو سيبقى لسنوات طويلة أهم مورد اقتصادي للعراق، لكنه يعني بناء ركائز أخرى للاقتصاد الوطني، بحيث لا تبقى الموازنة رهينة لتقلبات أسعار الطاقة. فالدول الناجحة لا تعتمد على مورد واحد، وإنما تبني مصادر متعددة للدخل والاستثمار والإنتاج.

ويبقى طريق التنمية فرصة تاريخية قد لا تتكرر كثيراً. فإذا أُحسن التخطيط له وأُدير بكفاءة وشفافية، فقد يعيد للعراق مكانته الطبيعية بوصفه جسراً بين الشرق والغرب، ومركزاً للتجارة الإقليمية والدولية. أما إذا أُهملت هذه الفرصة، فسيبقى السؤال الذي يرافق العراقيين منذ عقود قائماً: متى نخرج حقاً من عباءة النفط؟


مشاهدات 12
الكاتب حسين علي الحمداني
أضيف 2026/08/05 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 11:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1181 الشهر 5678 الكلي 16095382
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير