الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
طريق المشّاية... حين تمشي الأقدام ويصحو الوطن

بواسطة azzaman

طريق المشّاية... حين تمشي الأقدام ويصحو الوطن

خالد محسن الروضان

 

ليست زيارة الأربعين مجرد شعيرة دينية يؤديها ملايين المؤمنين كل عام، وليست رحلةً تنتهي عند أبواب كربلاء، بل هي مدرسة إنسانية تتجدد مع كل خطوة يخطوها المشّاية نحو الإمام الحسين (عليه السلام). إنها رحلةٌ يتجسد فيها معنى الإيمان حين يتحول إلى سلوك، والولاء حين يصبح تضحية، والانتماء حين يسمو فوق المصالح الضيقة.

إن طريق المشّاية يبدأ من القلب قبل أن يبدأ من الطريق، ومن الإيمان قبل أن يبدأ من القدم، ولذلك لم تستطع الحروب، ولا الإرهاب، ولا الفقر، ولا محاولات التخويف، أن تمنع ملايين الناس من السير نحو كربلاء. لأن الذي يسير إلى الحسين لا يبحث عن نهاية الطريق، بل يبحث عن بداية جديدة في نفسه، وعن عهدٍ يتجدد مع القيم التي استشهد من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام).

لقد أراد الإمام الحسين أن يجعل من كربلاء ثورةً دائمة ضد الظلم، لا حادثةً تاريخية تُقرأ في الكتب. ولهذا بقيت كربلاء حيّةً في ضمير الإنسانية، وبقي طريق المشّاية يمتد عامًا بعد عام، ليؤكد أن المبادئ لا تموت، وأن الدم الذي سُفك دفاعًا عن الحق ما زال يصنع الحياة في ضمائر الأحرار.

واليوم، يقف العراق أمام طريقين، كما وقف الحسين يوم عاشوراء أمام خيارين: طريق الحق وإن كان شاقًا، وطريق المصلحة وإن كان سهلاً. وهذا هو الدرس الأكبر الذي تمنحه الأربعين للعراقيين.

إن العراق، بعد أكثر من عقدين من التحولات السياسية، ما زال يبحث عن دولته الوطنية؛ دولةٍ تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، لا على المحاصصة والانقسام والفساد. فالحسين لم يخرج ليمنح الشرعية لسلطة، بل خرج ليعيد للإنسان كرامته، وللدولة عدالتها، وللأمة ضميرها.

ولهذا، فإن طريق المشّاية لا ينبغي أن ينتهي عند حدود الشعيرة، بل يجب أن يمتد إلى سلوكنا اليومي، وإلى مؤسساتنا، وإلى إدارتنا للدولة. فلا معنى لأن نهتف باسم الحسين ونحن نسكت عن الظلم، أو أن نمشي إلى كربلاء ثم نعود لنقبل بالفساد أو نهدر المال العام أو نميز بين الناس على أساس الطائفة أو القومية أو الحزب.

إن الحسين جمع الناس على قيمة، لا على هوية ضيقة. ولذلك ترى في طريق الأربعين العراقي والعربي، والمسلم وغير المسلم، يسيرون معًا، لأن رسالة الحسين تجاوزت الحدود الجغرافية، وأصبحت رسالةً للإنسان أينما كان.

وفي هذا المشهد الحضاري الفريد، يقدم العراقيون للعالم صورةً مختلفة عن وطنهم. فبينما تنشغل وسائل الإعلام غالبًا بصور الصراع والانقسام، يرسم طريق المشّاية لوحةً أخرى، عنوانها التكافل، والإيثار، والتطوع، والخدمة المجانية، واحترام الإنسان. إنها منظومة اجتماعية تنشأ تلقائيًا دون أوامر أو قوانين، لكنها تنجح في إدارة ملايين البشر بروح المحبة والتعاون.

إن العراق اليوم أحوج ما يكون إلى نقل أخلاق طريق المشّاية إلى مؤسسات الدولة. فكما يتعاون الناس في خدمة الزائر دون انتظار مقابل، ينبغي أن تكون خدمة المواطن ثقافةً في مؤسساتنا. وكما يذوب الجميع في حب الحسين، ينبغي أن تذوب الانقسامات أمام حب العراق. وكما يسير الملايين نحو هدف واحد، ينبغي أن تتوحد الإرادات لبناء دولة عادلة قوية تحمي الجميع.

إن زيارة الأربعين ليست دعوة إلى الماضي، بل هي دعوة إلى المستقبل؛ مستقبلٍ تُستعاد فيه قيم العدالة، ويُحارب فيه الفساد، وتُصان فيه كرامة الإنسان، ويكون الوطن هو الجامع الأكبر لكل أبنائه.

ولعل أجمل ما في طريق المشّاية أنه يعلّم الإنسان أن الوصول إلى كربلاء لا يكون بسرعة الخطى، وإنما بصدق النية. وكذلك بناء الأوطان لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالإخلاص، والعمل، وتحمل المسؤولية.

سيظل طريق المشّاية أطول من طريقٍ يربط مدينةً بمدينة، لأنه طريقٌ يربط الإنسان بقيمه، والوطن بأخلاقه، والتاريخ بمستقبله.

فإذا كان ملايين العراقيين قادرين كل عام على أن يسيروا معًا نحو الحسين، فإنهم قادرون أيضًا على أن يسيروا معًا نحو عراقٍ يستحق تضحياتهم... عراقٍ يكون فيه القانون فوق الجميع، والمواطنة هوية الجميع، والعدالة طريق الجميع.

وهذا هو الدرس الذي يتركه الإمام الحسين (عليه السلام) في كل أربعين: أن الطريق إلى كربلاء لا ينتهي عند الضريح، بل يبدأ منه... ليصل إلى بناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، وإقامة الدولة التي أرادها الحسين؛ دولة الحق والعدل والكرامة.

 


مشاهدات 53
الكاتب خالد محسن الروضان
أضيف 2026/08/03 - 1:48 PM
آخر تحديث 2026/08/03 - 4:43 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 804 الشهر 3071 الكلي 16002776
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير