رماد السياسة
محمد حمزة الجبوري
عندما تعجز السياسة عن صناعة الحلول فإنها لا تترك خلفها إلا الرماد؛ رمادُ الفرص التي أُهدرت ورماد الثقة التي تآكلت ورماد الأمل الذي كان ينتظر من الدولة أن تنتصر لمواطنيها قبل أن تنتصر لنفوذ المتنافسين على السلطة وتمكنهم سياسيا وانتخابيا واقتصاديا وكأن ارض العراق خلقت لهم؛
ليس الفشل أن تتعرض دولة لأزمة فالأزمات قدر الأمم وإنما الفشل الحقيقي أن تتحول الأزمة إلى أسلوب حكم وأن يصبح التأجيل سياسة والتسويف منهجا وتبادل الاتهامات بديلاً عن صناعة القرار؛ عندها لا تتقدم الدول وأنما تدور في حلقة مغلقة تستهلك الوقت والموارد والطاقات حتى تجد نفسها واقفة فوق كومة من الرماد؛ لقد دفع العراقيون أثمانا باهظة من أمنهم واستقرارهم وأعمارهم وكانوا يتطلعون إلى دولة تتعلم من أخطائها لا إلى سلطة تعيد إنتاجها؛ فالأوطان لا تنهض بتكرار الوجوه ولا بتبديل الشعارات وإنما بإرادة سياسية تمتلك شجاعة الاعتراف قبل شجاعة القرار وتؤمن بأن المنصب مسؤولية لا غنيمة وأن الدولة مشروع أجيال لا مشروع دورة انتخابية عابرة؛ إن أخطر ما يهدد العراق اليوم ليس نقص الإمكانات بل ضمور الإرادة الإصلاحية؛ فكل يوم يتأخر فيه القرارالصحيح يمنح الفساد فرصة جديدة ويمنح الإحباط مساحة أوسع ويمنح اليأس قدرة أكبر على التسلل إلى نفوس الشباب؛ وما من دولة تستطيع أن تحافظ على قوتها إذا فقد أبناؤها ثقتهم بمستقبلها؛ السياسة ليست فن البقاء في السلطة بل فن البقاء في ضمير الوطن وقيد الأخلاق لانها الأخلاق هي الحياة ودونها الموت ؛ والسياسي الحقيقي لا يقاس بعدد خطاباته بل بعدد الأزمات التي نجح في إنهائها وبحجم العدالة التي رسخها وبمقدار ما أعاد للمواطن من كرامة وأمل؛ أما تحويل الخلافات إلى وسيلة لتعطيل الدولة فهو انتحار سياسي يدفع الشعب ثمنه كل يوم امنا واقتصادا ووجود ؛ العراق يقف اليوم عند مفترق طرق؛ فإما أن تنتصر الدولة على المصالح الضيقة، وإما أن تبقى المصالح أقوى من الدولة؛ ولا توجد منطقة آمنة بين الخيارين لأن الأوطان لا تعيش طويلا في المنطقة الرمادية؛ وكل تأخير في الإصلاح ليس حيادا، بل انحياز صامت لاستمرار الأزمة؛ إن التاريخ لا يكتب أسماء الذين برروا الفشل، وانما يخلد الذين امتلكوا شجاعة تغييره؛ أما الذين اعتقدوا أن الوقت كفيل بإخفاء الأخطاء فقد أثبتت التجارب أن الزمن لا يدفن الأزمات بل يكشف آثارها ويضاعف كلفتها؛ إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من السجال بل إلى دولة تحترم القانون ومؤسسات تستعيد هيبتها وإدارة تضع الكفاءة فوق المحاصصة والوطن فوق المصالح والمستقبل فوق الحسابات الضيقة؛ عندها فقط يمكن أن يتحول الرماد إلى بداية جديدة لا إلى النهاية؛ وحتى يحين ذلك سيبقى السؤال معلقا في ضمير كل مسؤول؛ هل نريد أن نورث أبناءنا وطنا ينهض من تحت الرماد أم وطنا لا يبقى منه سوى الرماد؟.. وللكلام تتمة.