الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شيوخ المطبخ وحندكوك السياسة

بواسطة azzaman

شيوخ المطبخ وحندكوك السياسة

محمد جواد الميالي

 

يعتقد علماء الاجتماع، إن المجتمع هو الحاضنة الأولى للسياسة، وإن ما تنتجه الدولة من سلوك سياسي، ليس بعيداً عما ينتجه المجتمع من قيم وسلوكيات.

أدرك ابن خلدون هذه العلاقة مبكراً حين ربط قوة الدولة بعمران المجتمع وقيمه، فكلما صلح العمران استقامت الدولة، وكلما دبّ الفساد في المجتمع، وجدت السياسة طريقها إلى الانحراف، أما الدين، وما يحمله من منظومة أخلاقية، كان أحد أهم العوامل في بناء المجتمعات، فهو الذي يضع للإنسان حدوداً بين الحلال والحرام، وبين الحق والباطل، لذلك فإن المجتمعات التي تفقد منظومتها القيمية، لا تحتاج إلى كثير من الوقت، حتى يبدأ الخراب فيها من الإنسان وينتهي بالدولة.

رغم ذلك فنموذج الحالة العراقية يضعنا أمام مفترق طرق.. بلد تتصدر فيه الشعارات الدينية واجهات الحياة العامة، وتفتتح به المؤتمرات، وترفع في الانتخابات، ثم فجأة تجد المال العام يُنهب، ويحرق ويخبأ حتى في قناني المخللات! حتى صار الفساد في المؤسسات نظاماً لا استثناءً، فإذا كان الدين يصلح الإنسان، فمن الذي أفسد السياسي؟

الحقيقة تعود إلى قاعدة ابن خلدون الاجتماعية، وهنا يقفز السؤال حول إن كانت الطبقة السياسية العراقية هي فعلا انعكاسا للمجتمع، أم أنها استثناء ولد مع الوقت ليظن نفسه قاعدة؟

هذه الطبقة التي حكمت العراق خلال ثلاثة وعشرين عاماً، لم تكن دائماً ابنة المجتمع، بقدر ما كانت ابنة ظروف استثنائية، بعضها جاء من خارج العراق، وبعضها نشأ في بيئات عشائرية مغلقة، ثم دخل إلى الدولة بعد 2003، حاملا معه مفهوماً للسلطة، أقرب إلى الغنيمة منه إلى المسؤولية، ولهذا لم تفهم الديمقراطية باعتبارها تداولاً للسلطة، وإنما فهمتها باعتبارها طريقة للوصول إلى المكاسب، وهنا بدأت الطبخة.. وصار هذا الأبن ليس شرعيا للمجتمع! صار لكل شيخ حصة في مطبخ العراق الكبير، وله أتباع، وهؤلاء لهم حصة، ولكل حصة تبرير سياسي أو ديني أو طائفي او مناطقي، جاهز للاستخدام عند الحاجة.

أما "الحندكوك" فوظيفته أن يرفع صوته كلما احترقت الطبخة، فيقنع الناس أن المشكلة ليست في الطباخ، وإنما في الغاز، أو القدر، أو المؤامرة الخارجية!.. هكذا تحول العراق لمطبخ سياسي كبير، يختلف فيه الساسة على من يملك المطبخ، لكنهم نادراً ما يختلفون على من يأكل منه.

يبدوا ان المشكلة ليست في أن المجتمع العراقي فاسد، كما يحاول البعض أن يوحي، وإنما أن جزءاً من الطبقة السياسية نجح في احتكار الدولة، ثم قدم نفسه باعتباره صورة للمجتمع كله، لكن هل سيستمر هذا الاحتكار؟

المجتمع لم يعد كما كان، فالجيل الذي نشأ في زمن الإنترنت والهواتف الذكية، لم يعد ينتظر نشرة الأخبار ليعرف الحقيقة، ولا يحتاج إلى خطيب سياسي ليشرح له من الفاسد ومن الشريف، جيل يستطيع خلال دقائق أن يقارن بين العراق والعالم، وبين راتبه ومليارات المسؤول، وبين الكلام الذي قيل قبل الانتخابات وما حدث بعدها، هذا الجيل قد يكون المطرقة التي تكسر هذه الطبقة، لا بالعنف، وإنما بالانتخاب، وبإسقاط شرعية من اعتادوا أن يربحوا لأن الناس تنسى.

المشكلة أن الاقتصاد قد يسبق الانتخابات، فحين تضيق الدولة مالياً، وتنعكس الأزمة على المواطن، وتصبح الوظيفة نادرة، والرواتب مهدد، والخدمات أكثر سوءاً، لن يستطيع السياسي شراء الوقت بالشعارات إلى الأبد، والشعوب لن تصبر على الفقر وهي ترى من يحكمها يعيش الترف، وقد تصبر على سوء الخدمات، لكنها لا تصبر حين ترى قصور شيوخ المطابخ تبنى من الضرائب العالية.

فإذا كان الدين قد صنع مجتمع صالح، فإن بعض الساسة لم يروا فيه سوى شعار يرفع للاستهلاك، وإن ظن هؤلاء أن المجتمع مجرد انعكاس لفسادهم، فستكشف لهم الأيام أنه كان مرآة ينتظرون لحظة كسرها.

حينها سيعرف شيخ المطابخ، أن المطبخ ليس ملكه، وسيكتشف "الحندكوك" أن كثرة الصياح لا تمنع سقوط القدر، فالتاريخ يقول إن الشعوب قد تسكت طويلا، لكنها اذا جاعت.. ثارت.


مشاهدات 15
الكاتب محمد جواد الميالي
أضيف 2026/08/15 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/08/16 - 1:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 16661 الكلي 16106365
الوقت الآن
الأحد 2026/8/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير