أنهم لا يحبون الوطن
جاسم مراد
هذا العنوان مأخوذ من رواية لفولتير ، الذي حدد بوجود الوطن المحبوب بوجود المواطن الذي ينال حقوقه ، مشيراً بأن المستحوذ على المال لا يحب الوطن ، هذه الوقائع قيلت قبل واثناء الثورة الفرنسية عام 1789 ، وقالها الامام علي ابن ابي طالب قبل عشرات القرون من ذاك التاريخ ان الذي يندمج بالمال ويندمج بهذا الاخطبوط فإذا هو جمدت كل عواطفه وخمد كل إحساس ومُسحت فيه الطبيعة الإنسانية وتحولت خصائصه الحية الى خصائص الية لا حرارة فيها ولا دفء ولا ضوء ولا حياة ، صدقت يا ابن ابي طالب ، قلتها قبل مئات القرون وتتحقق في زماننا هذا .
إن متابعة قضايا الفساد والفاسدين والمفسدين ، ليس حديثاً مملاً ، أو انه خارج سياقاته الحقيقية والطبيعية كما يزعم البعض ، وإنما المريب والممل حقاً هو السكوت عن ذلك أو التهاون في المتابعة ، لكون الامر لا يتعلق بقضية هامشية أو سرقة وفساد عابر يمكن ان يحصل في اكثر الدول تقدما ورصانة اقتصادية ، لكن الامر الذي حصل في بلادنا ولازالت اثاره مستمرة ، هو اكثر مما يسمى بالفساد ، وإنما هو تهديم دولة بكل عراقتها وتاريخها وشعبها ، لكي يصل الخراب والجوع ليفتك باوسع واكبر طبقة اجتماعية كما وصفها الامام علي ابن ابي طالب ( الجوع هو الموت الأكبر ) ,
كل الوقائع التاريخية والحاضرة بان الذي جرى ويجري في العراق من أنه ليس امراً يمكن السكوت عنه أو تمريره من انه قضية تم تحديد شخوصها والأموال المنهوبة وكفى ، لا فأن الذي يجري في عموم المحافظات والبلديات من قصور في همة العمل وإنجاز المشاريع وتكديس الموظفين في دوائر لا عمل لهم فيها سوى متابعة الفيسبوك ، هو بالنتيجة نتاج لعملية الفساد لكون الذي يحصل في المقدمة لا يهمه ما يجري في بطون الدوائر ، وهذا بعينه فساد اداري مضافا للفساد المالي .
قد يقول قائل ان هذا تهويل خارج عن النصوص الحقيقية ، لكن الطرف المقابل يرد بالوقائع ، ما ذا يريد هذا السارق بعشرات المليارات المدفونة في المجاري والبيوت غير هدفها تهديم الدولة ، ولو كان الامر يتعلق برغبة شخصية لاكتفى بمليار أو اقل من ذلك ..؟
ان الاستمرارية بكشف الفساد هو اكثر وطنية من مواجهة الإرهاب ، لكون للارهاب اهداف سياسية ومذهبية معلومة يمكن تظافر الجهد الأمني والعسكري والشعبي في مواجهته ودحره مثلما حصل ، لكن هذا الفساد يستهدف الوطن برمته شعبا وكيان دولة وحياة مواطنين ، ولكون الفاسدين لا يحبون الوطن فهم يمعنون في التخريب وتدمير المجتمع وإشاعة الجوع بين الناس وصولاً للصراع ، هنا تخرج المليارات المدفونة لتسعير الصراع بين المكونات المتقاتلة .
إن الذي يمارس القتل ضد مواطن بريء يحكم عليه بالموت ، فكيف الذي يقتل وطن مع سبق الإصرار والترصد ، فهذه مسؤولية القضاء حتماً ، لذا يصبح من الضرورة بمكان متابعة الفاسدين ومحاربة الفساد تحت شعار من اين لك هذا ، ولتستمر هذه النهضة الرائعة وهذا التضامن الخلاق بين القضاء والنزاهة والجهات الأمنية والسلطات التنفيذية لكي لايكون العراق مرتعا لما هب ودب من قوى الشر في الخارج وادواتها التنفيذية في الداخل .