نزع سلاح الفصائل هو الحل
نبز شهرزوري
أصبحت مسألة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الفلسطيني والإقليمي ومحل خلاف سياسي وعسكري عميق، فبينما ترى أطراف دولية وإقليمية أن تجريد قطاع غزة من السلاح يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار وبدء مرحلة إعادة الإعمار، تنظر إليه حماس و الفصائل فلسطينية على أنه مساس بحقها في المقاومة والدفاع عن النفس وحقوق الشعب الفلسطيني. إلا أن الوقائع التي أفرزتها الحرب الأخيرة تفرض أسئلة يصعب تجاهلها. فبعد حجم الدمار غير المسبوق الذي لحق بقطاع غزة، والخسائر البشرية والمادية الهائلة التي تكبدها المدنیین، يبدو أن البحث عن حلول غير تقليدية لم يعد خيارًا، بل ضرورة سياسية وإنسانية. وفي هذا السياق، قد يشكل الاتفاق على نزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة الأخرى، وإخراج الأسلحة من القطاع، خطوة عملية نحو إعادة غزة إلى إدارة فلسطينية مدنية تتولى شؤونها، مع توفير ضمانات أمنية لجميع الأطراف. ويمكن أن يترافق ذلك مع نشر قوة دولية للمساعدة في حفظ الأمن، والإشراف على تنفيذ الاتفاق، بما يضمن عدم عودة القطاع إلى دوامة المواجهات المسلحة.
كما أن تفكيك الأنفاق، وإنهاء مخازن الأسلحة ومنشآت تصنيعها، وحصر السلاح بيد سلطة شرعية متفق عليها، قد يهيئ البيئة اللازمة لإطلاق عملية إعادة الإعمار، وعودة الحياة الطبيعية إلى القطاع. وفي المقابل، تحصل إسرائيل على الضمانات الأمنية التي تجعلها أكثر استعدادًا للانخراط في ترتيبات سياسية طويلة الأمد.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا مشروعًا: ألم يكن من الأفضل قبول مبادرات مماثلة قبل اندلاع الحرب، أو خلال مراحلها الأولى، لتجنب الدمار الهائل الذي أصاب غزة، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، وانهيار البنية التحتية، وتعميق المأساة الإنسانية؟ ومن هذا المنطلق، من الأنسب لحماس والفصائل عدم النظر الی مسالة الموافقة لنزع السلاح باعتباره إعلانا للهزيمة او يمثل « تنازلا كبيرا «، بل نصرا لعملیة السلام والاستقرار في غزة، إذا اقترن بتسوية سياسية عادلة وضمانات دولية واضحة، لان نزع السلاح انفراجة كبيرة في الصراع الذي دام لسنوات بين الحركة وإسرائيل ولأن نجاح الاتفاق مشروط بوفاء جمیع الاطراف بالتزاماتهم بموجب الخطة التي تقودها الولايات المتحدة . وفي الوقت نفسه، تبدو حماس أمام واقع إقليمي جديد، خاصة بعد أن لم تحظَ الحرب في غزة بالموقع الذي كانت تتوقعه وربما تشعر الحركة حاليًا بخيبة أمل، بعدما لم تُدرج إيران الصراع في غزة شرطًا في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن وقف إطلاق النار. فهل لا يدفعها ذلك إلى إدراك أنها تُركت وحدها لمواجهة مصيرها؟
أما على الصعيد الداخلي، فإن رفض أي تسوية قد يضعف الرصيد الشعبي للفصائل داخل قطاع غزة، حيث يتطلع السكان، بعد سنوات من المعاناة، إلى فرصة حقيقية تضع حدًا لویلات الحرب، ولذلك، فإن أي فرصة واقعية لوقف الصراع وإعادة الإعمار تستحق دراسة جادة، بعيدًا عن الحسابات الأيديولوجية.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تفرض وقائع جديدة، لكنها لا تستطيع أن تصنع سلامًا دائمًا. أما السلام الحقيقي، فلا يقوم إلا على تسويات سياسية تضمن الأمن والكرامة والحقوق لجميع الأطراف، وتمنح المدنيين فرصة للعيش بعيدًا عن دوامة الحرب التي استنزفت البشر والحجر على حد سواء.