الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أضواء على أصول الدراسات المقارنة وتطورها بين الفقه والقانون


أضواء على أصول الدراسات المقارنة وتطورها بين الفقه والقانون

عصمت عبد المجيد بكر

 

يسعى هذا الكتاب إلى كل قارئ جاد، متخصص في القانون أو السياسة أو غير متخصص، ما دام يسعى إلى ضبط فكره وتحسينه، ويريد أن يرفع مستوى سجالاته ومناقشاته مع من يجلس معهم للتفكير في الشؤون التي صارت شغلًا مشتركًا لأبناء العالم العربي والإسلامي اليوم، وصارت المقارنات عنصرًا لا مفر منه فيها.

بهذه الكلمات قدم الأستاذ الدكتور أحمد عاطف أحمد هذا الكتاب القيم، الذي هو من منشورات مركز نهوض للدراسات والبحوث بالكويت عام ٢٠٢٤ (٣٣٥ صفحة). أما مؤلف الكتاب فهو الأستاذ أحمد حسين عثمان، فقد كتب في المقدمة، أن فكرة القانون المقارن تعتمد على أسباب كثيرة، منها التقارب بين القوانين، ومد الجسور بينها للوصول إلى أسمى صور العدالة، أو الوصول إلى قانون عالمي مشترك.

وعندما بدأت تتبلور الدراسة المقارنة، شعر فصيل كبير من رجال القانون بالقلق تجاه هويته وثقافته من أن تذوب في القوانين الأخرى، فظهرت الكتابات التي تضع ضوابط ومنهجيات للدراسة المقارنة، باعتبارها علمًا لا بد من وضع أطر وحدود ترسم الفواصل بينه وبين غيره، ومن جهة أخرى، كي تحافظ على الثوابت الأساسية في كل نظام قانوني.

وقد حاول هذا الكتاب جمع البحوث والكتابات كافة ذات الوزن العلمي الثقيل التي كُتبت في تلك الجزئيات، وتحليلها لبيان مراحل تطور الدراسة المقارنة، فيبحث الكتاب في الدراسات التاريخية والمنهجية عن المقارنات بصورة عامة، والدراسات التي أسست لمنهجية المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون بصورة خاصة، والكتابات التي حاولت أن توظف الدراسة المقارنة في توحيد القوانين العربية، والدراسات التي طبقت مناهج المقارنة في إصلاح القوانين العربية، وبيان مصدرية الفقه الإسلامي فيها، والبحوث التي قامت بعملية التقييم للدراسات التطبيقية.

وتأتي أهمية دراسة أصول الدراسات المقارنة وتطورها بين الفقه والقانون، في وضع مناهج المقارنة وتاريخها وتطورها أمام أصحاب الدراسات المقارنة التطبيقية للإفادة منها عند خوض التجربة، وتعطي فكرة مغايرة عن الفقه الإسلامي، ليظهر في صورة نظام قانوني راق ومتمكن من أداء مهمته، وتكشف عن الجوانب التاريخية وما يحيط بها من أبعاد فلسفية أدت إلى ظهور دراسة القانون المقارن.

وقد وضحت هذه الدراسة كثيرًا من القواعد المهمة التي تعين على فهم النظم القانونية وتقييمها، بل وكيفية تطويرها، وتظهر هذه الدراسة تقدير علماء النظم القانونية للفقه الإسلامي، وما حواه من نظريات فقهية يمكن أن تفيد النظم الحديثة في حل بعض مشكلاتها، وكشفت عن خطورة استعارة القوانين الأجنبية دون تبصر، لئلا يُزج في التشريع قواعد يعوزها الانسجام، ولئلا يُقحم على بلد تشريع أجنبي العروق، فيحدث فيها من النتائج ما لا تُحمد عقباه. ومع أن استعارة المشرعين الوطنيين حلول القوانين الأجنبية يرجع الفضل فيه إلى تقدم القانون الموازن (المقارن)، فإن هذه الاستعارة لا تحدث في كل الأحوال في جو علمي من دراسة موازنة مستقيمة، لأن التيارات السياسية تقوم بدور حاسم في هذا الصدد، بحيث تزحم الفجاءات والعجلة الدراسة الموازنة وتملي حلولًا لا تصدر عن تبصر وحذر واحتياط.

هذه العجلة الضارة في التشريع لا يُعزى عيبها للقانون الموازن، لأنها لا تخضع لمنطق هذا القانون، ولا لتوصيات فقهائه. كما توضح هذه الدراسة السبل لدى المقارنين لاستكمال الخطط التي يستعان بها عند تقنين أحكام الفقه الإسلامي، وتوحيد قوانين المنطقة العربية، مع إظهار أثر الشرق في الدرس المقارن، إذ إنه في فترات تاريخية أصبح أحد الميادين الأولى لتجربة القانون المقارن، لأن قضاة من جنسيات مختلفة في المحاكم المختلطة بمصر يفسرون قوانين تشابه القوانين الفرنسية، ويستعينون على سد أوجه النقص الكثيرة فيها بالتجارب التي اجتمعت لهم من الأقضية الوطنية المختلفة، فالأحكام التي أصدرتها محكمة الاستئناف بالإسكندرية (مثلًا) أصبحت نموذجًا لدراسات القانون المقارن.

ومن الدراسات المتعلقة بتاريخ القانون المقارن ومبادئه العامة، دراسة الدكتور شفيق شحاته، والتي تمكنت من إثبات أن القانون المقارن علم مستقل بذاته، وليس مجرد طريقة بحث، وإقامة حدود فاصلة بين القانون المقارن وفلسفة القانون وتاريخها، وإثبات دور علماء الإسلام في وضع البذور الأولى للدرس المقارن من خلال إقامة العلاقة بينه وبين علم الخلافيات.

واهتم أستاذنا المرحوم الدكتور صلاح الدين الناهي، في مؤلفه النظرية العامة للقانون الموازن (المقارن) وعلم الخلاف، بتحليل مصطلح القانون المقارن، بل نقده لتُختار كلمة (القانون الموازن) لأنها لا تقرن القوانين بعضها ببعض، بل توازن بين القوانين لإنشاء نمط متطور يتوافق مع الحالة الاجتماعية المنقول إليها، وإنها ألمحت إلى وجود ما يُسمى ب(النمط القانوني) وتحليله، وربطه بالجماعة، وليس الدولة أو الإقليم، وضربت مثالًا على ذلك بالشريعة الإسلامية، فهي نظام يسير فيه الفرد على خطاه، وإن كان في بلد غير إسلامي أو عربي.

وتعمد الدكتور شفيق شحاته أن يربط بين علم الخلاف ومناهجه في الإسلام، وبين القانون المقارن، إلا أن الدكتور الناهي ربط بينهما بصورة أكثر دقة، فبعد أن قسم القانون المقارن إلى أقسام عدة، أوضح أن علم الخلاف يرتبط بتقييم القواعد الموازنة فيما بينها، لأن غرض علم الخلاف تفنيد الحجج وغربلة الأقوال وصولًا إلى القول الأدق، وتبين هذه الدراسة كيفية التعامل مع الموروث الفقهي في العصر الحديث، فحين نقارن بين المذاهب فعلينا أن نلم بخصائص العصر الحديث.

وتُعد محاضرات الأستاذ إدوارد لامبير (الفرنسي) بكلية الحقوق في القاهرة، والتي أثبتت أن التنوع القانوني الذي كان في مصر ساعد على إيجاد بيئة حقيقية مقارنة، حيث إن القضاة من جنسيات مختلفة، والتفسيرات التي تصدرها المحاكم متنوعة، وما بها من تباين بين الخلفية اللاتينية وخلفية الفقه الإسلامي جعل هناك حافزًا للمقارنة الحقيقية. وركز الأستاذ الدكتور (عبد المنعم البدراوي) في مؤلفه (أصول القانون المقارن) على ضرورة أن تتم المقارنة بين شرائع بلاد متقاربة في الحضارة، وفي درجة التقدم القانوني والسياسي والاقتصادي، ولا يهم بعد ذلك أن تكون هذه الشرائع متعاصرة في الزمن، فقد تتقارب الأنظمة القانونية في بلدين رغم ما بينهما من تباعد في الزمن والعهد، والاهتمام بنظرية مصادر القانون، ولا يعتمد الباحث على مقارنة عدد كبير من القوانين، لأن ذلك سيؤدي إلى عدم الدقة، وأن يلم الباحث بهيكل القانون ولا يعتمد على الصياغة، مع ضرورة العناية بالبعد الاجتماعي للقاعدة القانونية.

أما الأستاذ عبد الرحمن البزاز، ففي مؤلفه (مبادئ القانون المقارن) فقد لاحظ أن بداية الاستقرار الفعلي على أن الشريعة الإسلامية واحدة مع الشرائع الكبرى التي لا بد من الرجوع إليها، ونحن نقارن ونطور القوانين المحلية. ويجيب هذا الكتاب على الأسباب التي تجعلنا نعتمد على الشرائع الثلاث، الرومانية والإنجليزية والشريعة الإسلامية، دون غيرها، وتمكن هذه الدراسة من الربط بين الدراسة التاريخية للقانون، وبين تفسير كثير من القوانين التي تجري بيننا اليوم، وركزت الدراسة على العناية بدور الفقهاء والقضاة في الشرائع الثلاث.

أما الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري، ففي دراسته عن حركة التقنين المدني في العصور الحديثة، قام بعملية تحليل كبيرة لأكثر من عشرين قانونًا، أي أنه أوضح موضع القوة والضعف في كل قانون، بحيث يكون الدارس المقارن لاحقًا متفهمًا لها بصورة عامة، واستطاع الأستاذ السنهوري أن يُكوِّن من العنصر التحليلي العنصر الإنشائي، حيث استثمر كل ما هو جيد في ترقية القوانين العربية، واستطاع من خلال هذه الدراسة التحليلية أن يقدم انتقادات لاذعة للنظم الغربية بصورة عامة، والقانون الفرنسي الذي ظل جاثمًا على صدور مجتمعاتنا بصورة خاصة.

ومن الدراسات التي تناولت منهجية المقارنة بين الفقه والنظم القانونية الحديثة، تقرير عن المؤتمر الدولي للقانون المقارن للدكتور عبد الرزاق السنهوري. ويكتسب هذا التقرير أهمية من حيث تسجيله لأهم القرارات التي توضح سير اتجاه القانون المقارن وأهدافه الموضوعية بعيدًا عن القوميات، وتُبرر تطور الاهتمام بالشريعة في الدرس المقارن. وللأستاذ السنهوري دراسة عن الشريعة الإسلامية والدرس المقارن، وقد اشتملت هذه الدراسة على عدة نواح في تطوير هذا الحقل ومنها، إبراز الهدف من المقارنة بين الفقه والقانون.

واستطاع الأستاذ السنهوري أن يُجمل بصورة تطبيقية الحدود الفاصلة بين الفقه والقانون، وحدود التقارب وحدود التفوق، وحدود القصور على الأقل في إطار النظريات الفقهية التي ظهرت في عصره، أو على الأقل في حدود بحثه على سعته وعمقه. وللأستاذ الدكتور محمد كمال إمام دراسة عن مقاصد الشريعة والقانون، وتُعد هذه الدراسة واحدة من أهم الدراسات التي تُضيّق نطاق منهجية الدرس المقارن لتقصره على الشريعة الإسلامية فقط. وجاءت هذه الدراسة بعد الدراسات التاريخية التي تبرز حضور الشريعة في الدرس المقارن، لكونها تحدثت عن مقاصد المقارنة وأهدافها، وموقف الفقه الإسلامي ونظامه القضائي من الاستعانة بالقانون المقارن. وتعرضت الدراسة لموقف (لامبير) من الفقه الإسلامي بصورة أكثر تركيزًا على الفلسفة التي ينبع منها هذا الاهتمام. كما أن دراسة الأستاذ (إمام) دراسة نقدية، وتلك سمة تميز فقهاء المسلمين في كل العصور، فلا يقبلون النظريات الغربية على علاتها، ولا يُبهرهم مصدرها.

وأجابت هذه الدراسة عن موقف الفقه الإسلامي من القانون المقارن بالنسبة إلى عمل القاضي، ولفتت الأنظار للدراسات التي كشفت عن إسهام الفقه الإسلامي من خلال منظومة المقاصد، في بناء النظريات العالمية في عالم القانون المقارن. وتعتبر الدراسة العميقة لنظرية التعسف في استعمال الحق التي قدمها (الدكتور محمود فتحي) مدخلًا تطبيقيًا عمليًا على العلاقة الوثيقة بينهما. ومما يؤخذ على دراسة (الدكتور إمام) أنها فرضت على الباحث المقارن أن يبسط دراسته، فيجعلها تمتد إلى النظم القانونية في كل الشرائع والأزمان، وعند جميع الشعوب، حتى يتمكن من بناء نسق عام يفسر به نشوء النظم القانونية، وتطورها واختفاؤها، ويستنبط المعايير التي تحدد درجات النمو الحضاري الكامنة وراء نصوص القانون.

وللمستشار الدكتور (محمد صادق فهمي) دراسة عن الفقه الإسلامي والقانون المدني المقارن، وأسهمت هذه الدراسة في الكشف عن عدة أشياء ذات أهمية بالغة لعل من أهمها، كيف أصبحت الشريعة مصدرًا رابعًا في القانون المقارن، حيث تطرقت الدراسة للأسباب التي تجعل الفقه الإسلامي من الناحية الفنية أحد أبرز حقول المقارنة في الدرس المقارن، وتعرضت من ناحية أخرى للتضييق لأحكامها في البلاد العربية، وأرجعت السبب لأسباب فنية وعلمية. أما القواعد الضرورية للعمل بمقارنة الشرائع لتعديل القوانين الوطنية، فهي، أن تشريع كل أمة هو من خصائصها، وله ارتباط وثيق بأخلاقها وتقاليدها، وما هو إلا مظهر من مظاهرها الاجتماعية، ومرآة لحالتها من جميع نواحي الحياة، ومع ذلك فإن هذا لا يمنع من الالتجاء إلى التشريعات الأجنبية، لسد النقص أو الثلم في التشريع الوطني، ولكن يجب تحديد المسألة المراد بحثها، والتي يجب الاستفادة منها، وبالقدر الذي تدعو إليه الضرورة الملحة، ومع دراسة القوانين الأجنبية وبحثها بطريقة مستفيضة بتتبع تطورها القانوني من وقت نشوئها وتطورها، والحالة التي وصلت إليها، حتى يُلم بها الباحث إلمامًا فنيًا دقيقًا ليخرج بنتيجة منسجمة مع القانون الوطني.

وللأستاذ المستشار طارق البشري دراسة عن منهج النظر في دراسة القانون مقارنًا بالشريعة، يحاول أن يأخذنا بعيدًا عن الأصول الأكاديمية البحتة، ليحلق بنا في دراسة فلسفية تكشف لنا عن الظروف التي خضعت لها المقارنة، ويضع المنهجية التي تراعي أصول الشريعة، والمنهجية التي يجب أن تتبعها حين تكشف عن مصدرية القوانين وفرزها، والتي بدورها ستحمينا من أن ننصهر في ثقافة الغير دون أن ندري، كما أنها من زاوية أخرى تكشف عن المراحل التي مر بها تغلغل القوانين داخل مسام المجتمع، بداية من اعتبارها وسيلة للنهوض، ثم وسيلة للهيمنة القانونية، ثم وسيلة للهيمنة الثقافية بوجه عام. وتحاول هذه الدراسة من زاوية أخرى أن تضع منهجًا لكيفية تخلل الشريعة داخل النظام القانوني الوضعي، بعدما تمكن الأخير من زعزعة أركانها لا في الوجود والشعور، ولكن في سبل الإدارة والثقافة السائدة. وأضافت هذه الدراسة ما يسمى ب(الهضم الشرعي والثقافي) ويعني به، كيف يمكن أن تفصل النص عن بيئته، وتخضعه لشروط الحكم الشرعي وأطره في الفقه الإسلامي.

أما الدراسات التي وظفت المقارنة في الإصلاح القانوني للبلاد العربية، فهي دراسة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري عن وجوب تنقيح القانون المدني المصري، حيث يُعد السنهوري صاحب النصيب الأوفى، بل والأدق في الدراسات المقارنة، في الوطن العربي. وتأتي هذه الدراسة نموذجًا تطبيقيًا لتفعيل المقارنة في إصلاح القوانين العربية، مما يجعلها صورة صادقة لقرارات القانون المقارن التي جمعتها الدراسات السابقة. ويُضاف إلى ذلك، كيفية الإفادة من القوانين الحديثة دون أن نفقد مقوماتنا، وإثبات النظريات الحديثة القومية في حركة القوانين العالمية، وكيف يمكن أن نخرجها من أعمال القضاء.

وللأستاذ الدكتور السنهوري دراسة بعنوان (من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي) وتُبرز هذه الدراسة الجانب المهم في المقارنة من حيث التطبيق كسابقتها، وإبراز المشكلات التي توجد في القوانين العربية القديمة، ووضعت منهجية جيدة في كيفية تخريج النظريات الحديثة من الفقه الإسلامي، وفق الأصول والمبادئ التي يسمح بها، وهو منهج جيد لمن أراد تطوير القوانين أو مراجعتها لإبراز مصدريتها الشرعية.

ومن الدراسات التي وظفت المقارنة في الوحدة القانونية للأمة العربية، دراسة الأستاذ الدكتور السنهوري (القانون المدني العربي). وتأتي أهمية هذه الدراسة، أنها وضحت بصورة جغرافية حالة القانون المدني في كل بلد عربي ولا شك أن التشخيص يسبق العلاج، وأنها تكشف عن الخطة التي ينبغي اتباعها عندما نريد أن نجعل الشريعة حلقة الوصل بين القوانين العربية، وتمكنت هذه الدراسة من إحداث الانسجام بين القوانين العربية، فلم تجعل بنودها في حالة صراع، بل في حالة تكامل وتآلف. أما دراسة الأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج المعنونة ب(مقدمة عامة في منهجية الفقه الإسلامي المقارن) فتحاول الربط بين القوانين العربية من خلال البحث عن القوانين المشتركة، وتقييم الجزء المختلف فيه من خلال إخضاعه للنص والمصلحة، فالهدف من المقارنة، وفق هذه الدراسة، تحقيق المصلحة العليا للمجتمعات الإسلامية، سواء في السعي إلى توحيد التشريع لهذه المجتمعات، أو في استعادة المكانة العالمية للفقه الإسلامي، أو في إصلاح عمل مؤسسات العدالة، فإن من اليسير ربط آلية المقارنة بكل من فقه المصالح وبمقاصد الشريعة، في تحقيق الكرامة الإنسانية والعدل والمساواة، وصون الحياة الإنسانية والدين والعرض والمال، كل ذلك من خلال منهجية بسيطة في بنيتها عميقة في معانيها. وأضافت هذه الدراسة، هدفًا غفلت عنه الدراسات السابقة، وهو توظيف المقارنة للكشف عن المنشأ الفقهي الصحيح للقاعدة القانونية التي أخذها مشرعونا مباشرة من مصادر غريبة فيؤدي إعادة توظيفها في الفقه إلى الألفة معها، وإثراء توظيفها في تحقيق العدالة، وذلك كقاعدة التعسف في استعمال الحق التي أخذتها القوانين المدنية العربية، بحسبانها أول الأمر من أفضل ما جادت به المشرع الفرنسي، ثم ما لبثت الدراسات المتعاقبة أن برهنت بجلاء مصدرية الفقه الإسلامي لهذه القاعدة.

ومن الدراسات التقييمية للتجارب المقارنة بين الفقه والقانون، دراسة الأستاذ الدكتور محمد زكي عبد البر المعنونة ب(مصادر الحق في الفقه الإسلامي، تجربة حاسمة في أسلوب دراسة الفقه الإسلامي). وتُعد هذه الدراسة من أدق الدراسات وأطولها فيما يتعلق بالجانب النقدي والتقييمي في هذا الحقل، وهي دراسة لا تهتم بالجزئيات والحكم عليها بقدر اهتمامها بالمنهج وإصلاح ما اعوج من بنيانه، وترسم هذه الدراسة طريقًا جادًا لمن يريد رسم نظرية للتطور الفقهي، ورسمت هذه الدراسة الطرق التي من خلالها نستطيع أن نُبرز استقلال كل نظام عن الآخر في مسيرته وفكره ومعالجته للمسائل، مما نتج عنه إبراز استقلال الفقه الإسلامي عن القانون الروماني، وساعدت هذه الدراسة في بيان ما بلغه الفقه الإسلامي من دقة في الترتيب المنطقي.

ونقرأ للأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج دراسة في تقييم التجارب المقارنة، وكشفت هذه الدراسة بصورة جلية عن المنهج النقدي والتقييمي للدراسة المقارنة التطبيقية، التي من خلالها يتمكن المقارن من أن يتلافى كثيرًا من الأخطاء، وأن المهم هو توظيف المقارنة توظيفًا يسمح لها بالتأثير في التوجه التشريعي للدول العربية والإسلامية، بوجه عام، لترقية قوانينها والإفادة مما بينها من اختلافات تشريعية، مع ربط هذا كله بالقواعد الفقهية.

رئيس مجلس شورى الدولة العراق/ سابقًا.


مشاهدات 25
الكاتب عصمت عبد المجيد بكر
أضيف 2026/08/01 - 2:56 PM
آخر تحديث 2026/08/02 - 12:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 13 الشهر 1217 الكلي 16000922
الوقت الآن
الأحد 2026/8/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير