الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الثقافة والأنا


الثقافة والأنا

عبد الحسين شعبان

 

ثمة ظواهر مرضية تُصاحب الإبداع الثقافي، بعضها اجتماعي والآخر نفسي، فالحقل الثقافي ليس فضاءً لإنتاج المعرفة والجمال والبحث عن الحقيقة فحسب، بل هو أيضا ميدان للصراع على الشرعية والمكانة والنفوذ والشهرة والجوائز والحظوات المالية والإدارية والزعامة الفكرية والمؤسساتية، سواء لطموحات شخصية مشروعة أو ‏غير مشروع، أو عنعنات وادّعاءات، ما أنزل الله بها من سلطان. و»الحسد» من بين هذه الظواهر اللصيقة بهذا الحقل، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الفلق «ومن شر حاسد إذا حسد».

انفعالات قوية

 ويتحول الحسد إلى فعل مؤذٍ حين يُصبح سلوكًا، فيكون مدعاة للغيرة التي تسبّب العداوة في النفوس، سواءً كانت معلنة أم خفيّة، وأساسها التعصّب وحين يتم الإفصاح عن هذا الأخير يصير تطرّفًا يستهدف إلغاء الآخر أو تهميشه، وقد يصاحبه عنف لفظي أو جسدي، ومهما حاول الحسود التستّر على حسده، إلّا أن تصرّفاته تفضحه، حين لا يستطيع السيطرة على نفسه، من خلال الانفعالات القويّة التي تتعدّى حدود المنافسة الإيجابية المشروعة.

 هل يمكن أن نُطلق على المنافسة الشريفة «الغيرة الإيجابية؟»، كان هذا سؤال من إحدى الزميلات التونسيات، وكنت قد جئت على ذلك باعتبارها عكس الحسد والغيرة، لأن المنافسة الإيجابية ليست عدوّةً للإبداع بالضرورة، وقد تتولّد عنها بعض الأعمال الإبداعية بعكس الغيرة المدمّرة التي لا يستطيع صاحبها الخروج من الأنا الأنانية إلى فضاء الأنا الإنسانية، فتصبّ الأولى جام غضبها على نجاحات الآخرين. كما أرسلتْ لي إحدى الصديقات المصريات تقول «موضوعكم عن الغيرة جميل وفكّرني بغيرة الدكتور يوسف إدريس التي اشتعلت بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل (1988)»، وهو ما أعادني إلى الصراعات التي لا تخلو من الحسد والغيرة على النطاقين العالمي والعربي بين مثقفين كبار.

‏ففي مصر كانت احتدمت معركة حامية بين طه حسين وعباس محمود العقاد، وتحوّل بعضها إلى سجال شخصي، وبين العقاد ومصطفى الرافعي، وكان العداء شديدًا بين عبد العظيم رمضان ومحمد حسنين هيكل، وظل الأول على مدى 40 عامًا ينتقد هيكل، خصوصًا كل ما أصدر كتابًا جديدًا كتب ضدّه، مثل كتاب «أوهام هيكل وحقائق حرب الخليج» ردًّا على كتاب «حرب الخليج: أوهام القوة والنصر» وكتاب «هيكل والكهف الناصري» ردًا على ما كتبه هيكل عن الحقبة الناصرية، ولكن هيكل لم يردّ عليه.

‏وثمة نماذج صارخة على الصعيد العالمي، ولاسيّما الصراع بين تولستوي ودوستويفسكي، على الرغم من أنهما لم يلتقيا، حيث كانا تولستوي يرفض المشاركة في أي مؤتمر أو فعالية أدبية يحضرها دوستويفسكي.

 ومن أشهر الأمثلة في القرن العشرين الصراع بين سارتر وألبير كامو، وقد رفض الأول جائزة نوبل (1964)، لأن الثاني استلمها قبله (1957)، وامتزج الخلاف الفلسفي بالخلاف الشخصي، وخصوصّا ‏على تصدّر قيادة المثقفين.

‏وكانت فرجينيا وولف تغار من جيمس جويس وتعتبره كاتبّا رديئًا، وجيمس جويس لا يحب مارسيل بروست، وكان عند مجيئه يتعمد التدخين وهو يعرف أنّه مصاب بالربو ليزعجه ويقلقه.

‏أما والت ويتمان فكان يحسد شاعرّا أقل منه موهبة لأنه حظيَ بالشهرة، وكان الخلاف بين همنغواي وفاغنر على أشدّه، وقال الثاني عن الأول أنه: لم يستخدم كلمة تجبر القارئ على فتح القاموس، فردّ عليه الأول «المشكلة ليست بالكلمات الكبرى، بل بالأفكار الكبرى»، كما كان الخلاف عميقا بين بابلو نيرودا وبورخيس.

‏وعراقيًا كان ثمة منافسة خفية بين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة على من كان الأول في كتابة الشعر الحر، مثلما نشبت خلافات شديدة بين السيّاب وعبد الوهاب البياتي، خصوصّا حين تم تقريب البياتي، في أواسط خمسينيات القرن المنصرم، من الحركة الشيوعية، فتحول الثاني إلى المعسكر القومي، وكتب في العام 1959 كتابه الرديء «كنت شيوعيًا». وهناك خصومة حول ريادة جيل الستينيات بين سامي مهدي من موقع السلطة وبين فاضل العزاوي من موقع المعارضة.

عقود الزمن

‏كما كانت علاقة البياتي سيئة مع الجواهري لعقود من الزمن، إلى أن تم تصحيحها في تسعينيات القرن المنصرم بشكل أقرب إلى الاعتذار في دمشق، حيث كتب البياتي قصيدة مهداة إلى الجواهري بمناسبة عيد ميلاده، يقول فيها:

في سنواتِ الضوء والبؤس

رأيت في مرآتــه نفســي

خرجت من معطفه يافعاً

لأحمل الشمس إلى الشمـس

قلت له: يا أبتِ ها هنا

يعتنق السهمان في القـوس

شِعرك كان الزادَ والماء في

عراقنا الطاعن في الحبس

الأنا الأنانية ليست مقتصرة على المبدعين فحسب، بل تذهب إلى الوسط السياسي والاجتماعي، وقد تكون هذه أكثر عنفًا، وتساهم في تغذية الخصومات الثقافية، بل تضيف إليها الكثير من عندياتها التعصبيّة المتطرّفة، وهناك من يحسد النساء المثقفات ويغار من الإبداع النسوي ويحاول تشويهه أو إنسابه إلى الرجال، مثلما هناك من يقلّل من إبداع المجموعات الثقافية بحكم الهيمنة، وتجري محاولات محمومة لاستصغار المبدعين الشباب والتقليل من إبداعهم، وكأن الريادة كُتبت لبعض الأسماء، ولا يجوز لأحد أن يتطلّع إلى غيرها، على خلاف الأنا الإنسانية المفتوحة على كل جديد وإبداعي وجميل.

 


مشاهدات 25
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/07/18 - 12:49 AM
آخر تحديث 2026/07/18 - 1:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 18648 الكلي 15923775
الوقت الآن
السبت 2026/7/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير