أكتب نصف قناعاتي
كامل عبدالرحيم
أسأل نفسي كثيراً هذه الأيام، لو كنت مقيماً خارج العراق، هل سأكتب ما أكتبه هنا أو هل سأكتبه بنفس الطريقة، الجواب جاهز لدي وهو لو كنت كذلك ما كتبت أبداً، وهذا شيء يخصني فقط وهي ليست دعوة للأصدقاء خارج العراق.
منذ بداية هذه الحرب وكنت قد قلت (سنخسر) بمعنى سأخسر، سأخسر ما تبقى من صداقات وهي لا تستحق شيئاً بصراحة وبالمقابل ستعرينا هذه الحرب حيث سيظهر كل فريق بعموده الفقري الباطن حتى لا نقول بذيله.
الحقيقة هذا المكان وجد لنخسر، نخسر يقينياتنا وبديهياتنا وما اتفقنا عليه من صداقات وعلاقات، هذا المكان وجد ليجعلنا لا نرى والحجة دائماً توسيع مداركنا وتعظيم (الفيو) الذي نطل فيه على العالم.
في السبعينات والثمانينات من القرن الفائت، ما كنت أفكر أبداً بكتابة حرف واحد في صحف النظام وكانت المكتبات بعدد أصابع اليد الواحدة والكتب المستوردة تكفيها مكتبة بيت متواضعة.
أتذكر المرة الأولى التي قرأت فيها عن غابرييل ماركيز وروايته (مائة عام من العزلة)، كنت أشرب الشاي في مقهى بسيط بعد وجبة غداء أكثر بساطة في استراحة عمل قريباً من ساحة الرصافي، قرأت في الصفحة الثقافية لجريدة الجمهورية وكان فيها عمودان قد أكملت قراءتهما بأيّة متعة، الأول لمدني صالح والآخر لعبد الرحمن طهمازي وفي تحقيق أو متابعة قرأت عن (مائة عام من العزلة) وبعد التحقيق بعام أو عامين حصلت على الرواية، كان العالم صغيراً كراحة يد، أذكر عندما قرأت (الساعة الخامسة والعشرون) وكيف قضيت الليل كله حتى الفجر بالبكاء وحيداً، وأذكر أيضاً المتعة الثورية التي رفعتني إلى سابع سماء عندما عثرت وقرأت (جود المغمور) لتوماس هاردي، وأذكر وأذكر، كان علي، بل كان على العالم البقاء ببراءته تلك إلى الأبد ويحتفظ بطغاته ومجانينه ولا عدله أو ظلمه، كان علي أن أحتفظ بكل الصداقات السيئة القديمة بكامل وشاياتها ونفاقها وسذاجتها وأن لا أنفتح وراء كذبة الصداقات العميقة حتى أصبحت أعمى معزولاً.
كنت أفكر بالبطولة ولم أكن بطلاً أبداً لكني ما أصبحت خائناً أو واشياً وابتعدت عن التملق ومسح الأكتاف حتى ألقيت هنا بهذا المكان الذي يفتقد المعنى وأنا في ورطة كبيرة، فاتت عليّ أيّة فرصة بصفقة أو ربما وظيفة أو حتى مجد وشهرة.
لم أسقط وحدي في تلك المنطقة الكلبية والنباح حولي، حتى يخيل لي أن همسي وحديثي مع نفسي صار نباحاً، تسقط أمامي الأسماء ولا يفاجئني هذا حقاً. أعلم أني أكتب لإبعاد شبهة، شبهة كلبية تسيل مع نباح كلاب من كل العقائد وكلها تدعي امتلاكها الحقيقة، كل يوم يسقط قناع فاكتشف بأن وراء هذا الكاتب وذاك الشاعر كلب ينبح، ينبحون من أجل (عظمة) تافهة. هل كان من الضروري معرفة هؤلاء أو الاستماع إليهم أو هدر لحظة عمر معهم، الجواب قطعا لا.
عندما أكتب هنا نصف قناعاتي، حتى لا يطاردني قطيع الكلاب، أتفهم جيداً هؤلاء المخنوقين الذين يختلفون معي بالرأي ويغتنمون مساحتي للتعبير عن أوجاعهم، أحاول دائماً أن لا أسقط في فخ التخوين والتكفير وفي كل مرة أقول لنفسي، ماذا تفعل أيها الغريب هنا وقد فقدت لياقة دفاعك عن أفكارك الغريبة أو رشاقة الحياة في الزوايا المهملة.
إذا كانت للأنظمة الديكتاتورية حسنة فهي احتكارها للنباح وإجبار الآخرين على الصمت.
ما أحلى الصمت مع شاي في مقهى شعبي..