الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفلاح العراقي بين قسوتي الأرض والسوق

بواسطة azzaman

الفلاح العراقي بين قسوتي الأرض والسوق

خميس الخزرجي

 

لا يطلب الفلاح العراقي ثراءً سريعاً، ولا ينتظر معجزة تغير واقعه بين ليلة وضحاها، بل يريد موسماً زراعياً عادلاً يجني فيه ثمرة عام كامل من التعب. فمنذ بزوغ الفجر وحتى ساعات المساء، يقضي أيامه بين الأرض والماء، يحمل همّ الزراعة أكثر مما يحمل همّ نفسه، مؤمناً بأن هذه الأرض إن أُحسن التعامل معها فلن تبخل بخيراتها.

وفي محافظة صلاح الدين، التي تعد من أهم المحافظات الزراعية في العراق، تعتمد آلاف الأسر على الزراعة بوصفها المورد الأساسي للعيش. فحقول الحنطة والشعير، وبساتين العنب، ومزارع الطماطم والخيار والرقي وغيرها من المحاصيل، ليست مجرد منتجات زراعية، بل هي مصدر رزق لعائلات كاملة، وركيزة مهمة في تأمين الغذاء للعراقيين.

لكن رحلة الفلاح تبدأ بالديون قبل أن تبدأ بالحصاد. فهو يشتري البذور والأسمدة والمبيدات والمستلزمات الزراعية بالآجل، ويستدين على أمل أن يعوض ذلك بعد بيع محصوله. يتحمل ارتفاع الأسعار، ويواجه نقص المياه، ويبحث عن وسائل ري حديثة أو بدائية ليحافظ على زرعه، ويتحدى حرارة الصيف وتقلبات الطقس، لأنه لا يملك خياراً آخر سوى الاستمرار.

غير أن الصدمة الكبرى لا تأتي من الطبيعة، بل من السوق.

فما إن يحين موسم جني المحصول حتى تتدفق المنتجات الزراعية المستوردة إلى الأسواق، فتغرقها بكميات كبيرة، وتنخفض أسعار المنتج المحلي إلى مستويات لا تغطي حتى كلفة إنتاجه. عندها يقف الفلاح حائراً أمام محصول أفنى في زراعته عاماً كاملاً، ليجده بلا مشترٍ أو بسعر لا يحقق له سوى مزيد من الخسائر.

ليس من المنطق أن يُطلب من المزارع زيادة الإنتاج، بينما لا يجد من يحمي هذا الإنتاج عند تسويقه. فكيف يمكن للفلاح أن يواصل الزراعة وهو يرى ثمرة جهده تتراجع قيمتها بسبب غياب سياسة واضحة تنظم الاستيراد وتحمي المنتج الوطني في مواسم الوفرة؟

سياسة اقتصادية

إن حماية المنتج المحلي ليست إجراءً ضد التجارة، وإنما هي سياسة اقتصادية تتبعها معظم دول العالم للحفاظ على أمنها الغذائي ودعم منتجيها. أما فتح الأسواق بلا ضوابط في ذروة الإنتاج المحلي، فهو لا يضر بالمزارع وحده، بل يضعف الاقتصاد الوطني ويزيد الاعتماد على الخارج في توفير الغذاء.

وإلى جانب هذه المشكلة، يواجه القطاع الزراعي تحديات أخرى لا تقل خطورة، في مقدمتها شح المياه، والتغيرات المناخية، وارتفاع كلف الإنتاج، وتراجع الدعم الحكومي. ومع ذلك، يواصل الفلاح عمله بإصرار، لأنه يؤمن بأن الأرض التي ورثها عن آبائه تستحق أن تبقى خضراء ومنتجة.

إن ما يحتاجه القطاع الزراعي اليوم ليس الوعود، بل قرارات عملية تبدأ بتنظيم الاستيراد وفق الروزنامة الزراعية، ودعم مستلزمات الإنتاج، وتوفير القروض الميسرة، وإنشاء مراكز تسويق وخزن حديثة، وتعويض المزارعين عن الخسائر التي تفرضها الظروف المناخية أو تقلبات الأسواق.

إن مستقبل الزراعة في العراق لا يرتبط بالأرض وحدها، بل بالإرادة السياسية أيضاً. فحين يشعر الفلاح بأن الدولة تقف إلى جانبه، سيزداد إنتاجه، وستتعزز قدرة العراق على تحقيق أمنه الغذائي، وستبقى الأرض مصدراً للعطاء لا ساحة للخسارة.

لقد أثبت الفلاح العراقي، عبر عقود طويلة، أنه قادر على مواجهة الجفاف والحر والظروف القاسية، لكنه لا يستطيع أن يواجه وحده سياسات تسويقية غير متوازنة ومنافسة غير عادلة. وإذا استمرت معاناته من دون حلول حقيقية، فإن الخاسر لن يكون الفلاح وحده، بل ستكون الزراعة العراقية بأكملها، ومعها أمن العراق الغذائي ومستقبل أريافه.

 


مشاهدات 49
الكاتب خميس الخزرجي
أضيف 2026/07/11 - 12:57 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 2:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 160 الشهر 10807 الكلي 15915934
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير