الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عن دار المدى للنشر وبلال فضل و«أم ميمي» وأخواتها


عن دار المدى للنشر وبلال فضل و«أم ميمي» وأخواتها

ياسين غالب 

 

في المشهد الثقافي العربي، تبدو بعض دور النشر وكأنها تخلّت عن دورها التاريخي في اكتشاف الأصوات الجديدة والمغامرة الأدبية الحقيقية، لصالح الرهان على الأسماء الإعلامية السهلة والتسويق السريع. ومن بين هذه الدور تبرز دار المدى، التي يراها كثير من القرّاء العراقيين وقد انحازت، خلال السنوات الأخيرة، إلى مشاريع لا تضيف الكثير إلى الرواية العربية بقدر ما تعتمد على شهرة الكاتب وحضوره الإعلامي.

الرهان المتكرر على الكاتب المصري بلال فضل، عبر أعمال مثل «أم ميمي» و«جيزة جيزة جيزة»، يثير أسئلة حقيقية حول المعايير التي تحكم عملية النشر اليوم: هل أصبحت الشهرة التلفزيونية والانتشار الرقمي أهم من القيمة الأدبية؟ وهل تحوّل الكتاب إلى منتج استهلاكي سريع بدل أن يكون مشروعًا فنيًا متماسكًا؟ المفارقة أن بلال فضل، الذي يُقدَّم أحيانًا بوصفه «اسمًا أدبيًا عربيًا»، لم يصنع، في الأصل، مشروعًا روائيًا متماسكًا بالمعنى الفني، بل بنى حضوره أساسًا عبر المقالة الساخرة والإطلالة الإعلامية واللغة اليومية القريبة من منشورات مواقع التواصل. وحتى نصوصه الأخيرة تبدو أقرب إلى تدوينات مطوّلة تستثمر المزاج الشعبي واللغة الخفيفة أكثر مما تشتغل على الجماليات الروائية أو العمق الفني.

ثم إن الكاتب الذي ابتعد عن مصر لأكثر من عقد، مقيمًا في الولايات المتحدة، واكتفى بحضور متقطّع عبر تيك توك وفيسبوك ويوتيوب كان قد فقد تدريجيًا صلته الحقيقية بالشارع المصري الذي كان يستمد منه مادته الأساسية. فالكتابة التي تعيش على نبض الشارع تفقد الكثير من طاقتها حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى مادة مستهلكة يُعاد تدويرها من الخارج.

وحتى لو افترضنا أن هذا النوع من الكتابة ما يزال يجد من يتفاعل معه داخل مصر، بحكم الخصوصية المحلية واللهجة والسياق الاجتماعي، فما الذي يعنيه ذلك للقارئ العراقي؟ وما الذي يربط القارئ العراقي بهذه الخلطة الشعبية المصرية الخالصة، التي تقوم على الإفيه اليومي والسخرية العابرة أكثر مما تقوم على الأدب بوصفه فنًا إنسانيًا عابرًا للحدود؟ ومن هنا تبرز الأسئلة المشروعة: لماذا يستمر هذا الرهان تحديدًا؟ ولماذا يجري تقديم هذه الأعمال وكأنها حدث ثقافي كبير، بينما يتم تجاهل عشرات الأصوات العراقية الشابة والجادة؟ وهل تحكم اختيارات النشر اعتبارات ثقافية فعلية، أم أن هناك شبكة مصالح وعلاقات شخصية وتفاهمات غير معلنة أصبحت تتحكم بما يُطبع ويُسوَّق ويُقدَّم بوصفه "الأدب العربي المعاصر"هذه الأسئلة ليست اتهامات، لكنها تعكس شعورًا متزايدًا لدى كثير من القرّاء والكتّاب بأن المشهد الثقافي العراقي لم يعد يُدار دائمًا وفق معيارالقيمة الفنية، بل وفق اعتبارات العلاقات والانتشار السريع والضجيج الإعلامي وهذا محبط للكثير من كتاب العراق في  الداخل والخارج.

الأكثر إثارة للاستغراب أن القارئ العراقي، الذي يمتلك ذاكرة ثقافية شديدة الحساسية تجاه الأدب الحقيقي، لم يعد يتفاعل مع هذه الأسماء كما تفترض بعض إدارات النشر. فبلال فضل، مهما كانت جماهيريته السابقة، لم يعد يشغل المساحة نفسها حتى داخل الشارع الثقافي المصري، مقارنة بأسماء روائية شابة استطاعت أن تطور أدواتها وتبني مشروعًا أدبيًا أكثر رسوخًا. القارئ العراقي، الذي تربّى على إرث سردي عميق وقاسٍ ومشحون بالتجربة التاريخية، لا يبحث غالبًا عن نص يشبه منشورًا غاضبًا على فيسبوك أو تعليقًا جنسياًً ساخرًا مباشراً . ولذلك يبدو الإصرار على تسويق هذه الأعمال داخل الوسط الثقافي العراقي أقرب إلى سوء تقدير حقيقي لذائقة القارئ العراقي.

وفي المقابل، يشعر كثير من الكتّاب العراقيين بأن هناك فجوة واضحة في تعامل بعض دور النشر المصرية مع الأدب العراقي. فبرغم الثقل التاريخي للرواية العراقية، وبرغم الجوائز العربية والدولية التي حصدها كتّاب عراقيون، ما تزال فرص النشر والترويج داخل السوق المصرية محدودة ومدفوعة الثمن مسبقاً عند النشر ولاتقامر دور النشر المصرية بطباعة رواية لكاتب عراقي والترويج له عدا عن زج روايته في جوائز الرواية العربية كما حصل مع المذى بتقديم رواية أم ميمي قبل سنوات لجائزة البوكر العربية ،وكأن الثقافة العربية تُدار أحيانًا بمنطق المركز والهامش، لا بمنطق الجودة والإبداع.

 

القضية هنا ليست صراعًا روائياً بين مصر والعراق، ولا اعتراضًا على كاتب بعينه، بل اعتراض على عقلية مسؤولي النشر في المدى التي  ترى في الاسم المتداول ضمانة تجارية، حتى لو كان النص عاديًا، بينما تُغلق الأبواب أمام أصوات جديدة تمتلك شجاعة التجريب والاختلاف.

 

 

 


مشاهدات 45
الكاتب ياسين غالب 
أضيف 2026/05/17 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/05/18 - 12:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 32 الشهر 16403 الكلي 15861597
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير