الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
  الجنوب العراقي والمندائيون.. التقارب الروحي والإجتماعي

بواسطة azzaman

  الجنوب العراقي والمندائيون.. التقارب الروحي والإجتماعي

نعيم عبد مهلهل

 

في رسالة علمية وفقهية، ودون نظرة كل المذاهب الأخرى، نظر المرشد الراحل السيد علي الخامنئي إلى المندائيين بأنهم توحيديون، وأن ما جاء عنهم في القرآن الكريم على أنهم من أهل الذمة يثبت ذلك.

تكررت كلمة الصابئة في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع مختلفة، وردت أولًا في سورة البقرة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} /62/.

وفي سورة المائدة، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} /69/، وهو الموضع الثاني.

ثم جاءت الكلمة في سورة الحج: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} /17/.

ومع تلك الرؤية المنصفة لهذا العنصر البشري الموغل روحًا وتاريخًا، بُني على أساس التعايش مع الأقوام والديانات التي تعايشت مع المندائيين، وأكثرهم هم شيعة جنوب العراق.

وهذا التعايش في أصوله التاريخية العميقة ظل يمثل أنموذجًا غريبًا من تلك الألفة والمودة بين أهل الجنوب وأصحاب تلك الملة التي قد لا يفقه عنها عامة الناس شيئًا عن انتماءاتها الدينية والروحية، لكنهم يشعرون أن الصابئة المندائيين يعيشون معهم بتعاقب الأجيال ومنذ الأزل.

كان المندائيون يتركزون في بدئهم التاريخي ضمن المناطق القريبة من بطائح الأهوار، ولهم مدن قديمة في جهة منطقة الطيب المحاذية للحدود العراقية الإيرانية من جهة ميسان، وكذلك لديهم وجود قديم في منطقة دهلران الإيرانية والقريبة من الطيب. ثم توسع النزوح والرزق لديهم ليسكنوا في مدن الأهوار مثل الحلفاية والكحلاء وقلعة صالح ومدينة العمارة، ثم نزحت عوائل منهم لتسكن منطقة العرجة في الناصرية. ومطلع القرن العشرين بنوا لهم حيًّا سكنيًّا كبيرًا في شرق مدينة الناصرية وقريبًا من الفرات وتسمى محلة الصابئة، ومثلها أسسوا محلة سكنية كبيرة في ضواحي مدينة سوق الشيوخ.

وكذلك سكن المندائيون في البصرة والديوانية والكوت، فيما لديهم جالية كبيرة في منطقة الأحواز والمحمرة وعبادان ومدن جنوب إيران.

فرضت جغرافية الوجود المندائي نمطًا جميلًا من التعايش والإخاء بين شيعة العراق من سكنة الجنوب، ذلك لأن معظم تجمعاتهم السكانية كانت تتداخل مع مكونات سكانية في غالبيتها العظمى من الشيعة. فكان على المندائيين الذين يمتلكون روح المسامحة والهدوء والسكينة والمسالمة أن يقتربوا كثيرًا من هذا المكون الذي يمتلك بغريزته وطبيعته روحًا بسيطة ومساحة كبيرة من تقبل الآخر أيًّا كانت ديانته. لهذا كنا في طفولتنا نشاهد الصابئة المندائيين وهم يحترمون طقوسنا في الأعياد وفي مراثي عاشوراء، حتى إن الأطفال المندائيين كانوا يقلدون جيرانهم من الأطفال الشيعة ويرتدون معهم ثياب الحزن الأسود، وبعض الجارات من المندائيات ينذرن مع أمهاتنا نذور غذاء العباس، وكانوا يتقبلون برحابة صدر كل الأواني التي كانت تحمل الثواب والنذور، وكان على الصائغ المندائي أن يقسم بالأئمة وأولياء الشيعة ليقنع زبونه القادم من الريف بأن هذا الذهب ليس مغشوشًا.

تلك الرؤية الاجتماعية في العيش والاختلاط تمثل أزلًا روحيًّا ومجتمعيًّا لم تتفكك أواصره إلى اليوم، بالرغم من أن الكثير من إخوتنا وجيراننا المندائيين فضلوا المنافي ودول المهجر لأسباب اقتصادية وأخرى شملتها رسائل التكفير الإرهابي، وأولها كانت رسالة معلنة للإرهابي الزرقاوي يكفّر فيها المندائيين وبعض الملل الأخرى، عندما تم اغتيال الكثير من أبناء هذه الطائفة الرافدينية المسالمة.

وبالرغم من هذا لم يزل صابئة الجنوب وبغداد يمثلون شيئًا مهمًّا من الطيف العراقي وبنيته، ولهم في البرلمان حضور عبر الكوتا حيث يوجد الصوت الذي يمثلهم، فيما يمارس المجلس الروحاني للطائفة ومقره في منطقة القادسية في بغداد دوره الديني والروحي عبر مرجعية دينية وروحية ومجتمعية لهم ممثلة برئيس الطائفة الشيخ ستار جبار حلو.

التقارب الروحي والاجتماعي بين المندائيين وشيعة العراق، ومعهم بنسبة أقل بالتعايش المذاهب العراقية الأخرى، هو جزء من صلابة النسيج والمكون الاجتماعي العراقي الذي يُراد له تجاوز كل محنة ليبقى العراق قويًّا وعزيزًا وموحدًا.

 

 

 

 


مشاهدات 30
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/07/09 - 2:13 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 3:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 195 الشهر 8829 الكلي 15913956
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير