مزهر الهاشميّ يفتح أبواب المنفى في روايته (شيء واحد، لم تمسّه السنوات)
حامد عبدالحسين حميدي
في رواية (شيء واحد، لم تمسّه السنوات) للكاتب مزهر الهاشمي، تطالعنا الذاكرة السيريّة التوثيقية لبيئة جنوبية حالمة، حاول من خلالها الكاتب أن يفعّل اشتغالاته السرديّة وعلى وفق نمطٍ سرديّ تسلسليّ حكائيّ بسيطٍ لا تكّلف فيه ولا تعقيد، لأنّ بساطة الحياة الريفية حياة مفتوحة حتى في تخيلات أبنائها من القرويين.
شخوص الرواية كانوا ضمن المدار الذي عمل عليه الروائي الذي اختفى خلف شخصية(سلام) تلك الشخصية الفتيّة العاملة بكلّ ما لديها من قوة في تحمّل أعباء الحياة وثقلها، إذ تعمّد الكاتب استخدام(سلام) لما يرمز إليه هذا الاسم من ايحاء نفسي لديه، ليجد فيه صورة صادقة لذاته المعكوسة بكلّ تفصيلاتها، وضمن محدودية الحقبة الزمنية التي اشتغل عليها الكاتب.
إذاً/ نحن أمام محطات حياتية متسلسلة ومتنوّعة، تسود فيها معالم الريف بكلّ أبعاده المثخنة بالتعب والاجتهاد والهمّ اليوميّ، أما بقية الشخوص فقد اعتمد فيهم الكاتب إخفاء الاسم الصريح ما بين الوفد الإعلامي الزائر المكوّن من رجلين وامرأة، وبعض الآخرين الذين وردوا في الرواية دون الكشف عن المسمّيات الصريحة لهم، رغبة من الكاتب نفسه في تفعيل الغموض.
لقد شكّل(الوفد) مدخلاً واسعاً لعالم الكاتب الواقعيّ لا التخييلي، من حيث التعريف بالأمكنة والعادات والتقاليد وطبيعة الحياة بكلّ مكنوناتها، وذي تعدّ إشارة واضحة في تقسيم الرواية الى محطات حتى توديع الوفد في نهاية الرواية.
ثمّ ركّز الكاتب (الهاشمي) على بعض التفصيلات التي كانت تشكّل بؤراً حياتية ضاجّة منها الفتاة التي تدعى (حرية) وزفافها وبراءة العشق القروي لفتاة جميلة أسهب بها الكاتب شرحاً وتفصيلاً متخذاً من الوفد صورة المحرّك الفاعل في استخراج ما لديه من ذاكرة مشحونة بالاسترجاعية السريعة، رغم وجود فتيات أخريات ومنهن (سليمة)، لكنهنّ لم يشكلن حضوراً قويّاً مثلها، و(عيش الطابك) و(موسم الحصاد) و(صيد وتسويق الأسماك) و(حريق الجندالة) و(النجمة أم ذويل) و (زواج أحمد) و(المولود البكر للعائلة) وأيام الدراسة و(الحاجة سميرة) إنها يوميات بسيطة غير معقّدة خالية من الزيف والخداع ولا تحتاج منا الى البحث والتقصّي في سبر عمق أغوارها، كون الكشوفات والرؤى مفتوحة وناضجة، وصولاً الى الخدمة العسكرية وأبعاد (الحرب العراقية الإيرانية) حيث بدأت تتغير الموازين اليومية وتشعباتها لدى الجميع بما فيهم الكاتب.
أمّا اللغة المستخدمة فتراوحت بين الفصيحة والعامية التي تحاكي الواقع الحياتيّ اليوميّ لتقريب الصّورة الى القارئ والمتلقي كما هي دون تزييف أو تلوين للحقائِق، لنجد رفض بطل الرواية (سلام) بردّه على المكاملة الهاتفية بعبارة (السلام عليكم) ص09، وتفضيلها على مفردة (هلو) كون (هلو) اسم مخترع الهاتف من باب التملّح من المتكلّم، إنها صورة تقريبية لملامح ابن البيئة الجنوبية الذي يعشق الشعر الشعبي والأغاني ومطربيها حدّ الوجع الذي يداعب حزنه وأساه ليضمّد جراحاته وهو يعمل يومياً دون تعبٍ أو مللٍ، حتى الرسائل البريدية المبعوثة إليهم ترسل الى عنوان (عطار العائلة) في المجر الكبير ص 56.
الكاتب (مزهر الهاشمي) فتح في روايته هذه أفق المنفى (الداخليّ) على مصراعيه، ليطلعنا على منفاه (الخارجيّ) الكبير رغماً عنه متحدّياً كلّ صعوبات الحياة وقسوتها، كي يثبت وجوده وضمن حقولٍ المراحل العمريّة التي مرّ بها، إضافة الى الحدث الواقع سرديّاً يقع ضمن اختزالية سريعة، وربّما عائد هذا الى طبيعة الكاتب، كون النفس السردي لديه لا يعتمل ضمن مجالات توسيع الحدث الكبير في روايته بل يكتفي بحدثٍ سريعٍ بسيطٍ يقع ضمن أفقِه الدالّ.