الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين انتصرت الجيوسياسية على الأيديولوجيا.. ولادة منطق القوة الجديد

بواسطة azzaman

حين انتصرت الجيوسياسية على الأيديولوجيا.. ولادة منطق القوة الجديد

مصطفى عمار زهير شهد الزيدي

 

لم يعد العالم اليوم يُدار بالطريقة نفسها التي أُدير بها في القرن العشرين. فالصراعات التي كانت تُرفع فيها الشعارات الكبرى عن الرأسمالية والاشتراكية  وعن الحرية والمساواة  وعن المعسكر الشرقي والغربي، أخذت تتراجع أمام لغة أخرى أكثر واقعية : لغة الجيوسياسية.

لقد كانت الأيديولوجيا في زمن الحرب الباردة الأولى هي الواجهة الكبرى للصراع الدولي. كانت الولايات المتحدة تقدم نفسها بوصفها حامية العالم الحر، وكان الاتحاد السوفيتي يقدم نفسه بوصفه قائد الثورة الاشتراكية العالمية. لكن خلف هذه الشعارات  كانت الجغرافيا حاضرة دائمًا: من يسيطر على أوروبا الشرقية؟ من يصل إلى المياه ؟ و من يمتلك طرق التجارة؟ ومن يقترب من حدود الخصم؟ و من يصل حقول النفط و منابع الطاقة  ؟

اليوم  لم تختفِ الأيديولوجيا تمامًا لكنها لم تعد المحرك الأول للسياسة الدولية. فالدول الكبرى لم تعد تتحرك فقط دفاعًا عن فكرة بل دفاعًا عن موقع  وممر وسوق وخط أنابيب  وميناء  ومنطقة نفوذ. بمعنى آخر  انتقل العالم من صراع الأفكار الكبرى إلى صراع المواقع الحيوية.

إن صعود الجيوسياسية يظهر بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها القوى الكبرى مع الممرات البحرية والمناطق الاستراتيجية. فالمضائق  والموانئ  وخطوط الطاقة  وسلاسل الإمداد  لم تعد تفاصيل اقتصادية عابرة بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي للدول. السيطرة على ممر بحري قد تعني القدرة على الضغط على اقتصاد كامل  والتحكم بخط طاقة قد يمنح دولة نفوذًا سياسيًا يتجاوز حدودها.

في الماضي  كانت الدولة تسأل: مع أي معسكر فكري نقف؟ أما اليوم فهي تسأل: أين تقع مصالحنا؟ من يملك الغاز؟ من يسيطر على البحر؟ من يستطيع تعطيل تجارتنا؟ ومن يملك التكنولوجيا التي نعتمد عليها؟

الحرب في أوكرانيا مثال واضح على هذا التحول. فالصراع لا يمكن فهمه فقط من زاوية الديمقراطية والاستبداد  أو من زاوية الشرق والغرب. هناك بعد جيوسياسي عميق يتعلق بموقع أوكرانيا بين روسيا وأوروبا  وبالبحر الأسود  وبخطوط الطاقة وبفكرة المجال الحيوي الروسي وبخوف موسكو من تمدد حلف الناتو نحو حدودها. كذلك ترى أوروبا في أوكرانيا خطًا دفاعيًا متقدمًا  لا مجرد دولة بعيدة تخوض حربًا محلية.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط. فهذه المنطقة لم تكن مهمة فقط بسبب أنظمتها السياسية أو هوياتها الفكرية، بل بسبب موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا  وبسبب النفط والغاز  والممرات البحرية مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. لذلك بقيت المنطقة في قلب الحسابات الدولية  .

أما الصين  فقد فهمت مبكرًا أن القوة في القرن الحادي والعشرين لا تقوم فقط على الجيش  بل على الموانئ  والطرق  والسكك الحديدية  والتجارة  والتكنولوجيا. ولهذا جاءت مشاريع الربط الاقتصادي والممرات التجارية لتؤكد أن بكين لا تبحث فقط عن نمو اقتصادي  بل عن إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. فالدولة التي تربط العالم بتجارتها  تستطيع لاحقًا أن تؤثر في قراراته السياسية.

في المقابل  تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها العالمي من خلال السيطرة على البحار  والتحالفات العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة والدولار وشبكات النفوذ. فهي تدرك أن فقدان السيطرة على طرق التجارة أو سلاسل الإمداد أو مناطق الطاقة يعني تراجعًا في القدرة على قيادة النظام الدولي.

هنا تظهر الحقيقة الأهم: الجيوسياسية لم تلغِ الأيديولوجيا لكنها وضعتها في المرتبة الثانية. فالدول قد تستخدم خطاب الديمقراطية أو السيادة أو حقوق الإنسان لكنها في النهاية تتحرك وفق حسابات أعمق: الأمن والموقع والاقتصاد والنفوذ والخوف من الخصم.

لقد أصبح العالم أكثر براغماتية. دولة قد تتحالف مع خصم أيديولوجي إذا اقتضت مصالحها ذلك  وقد تختلف مع حليف فكري إذا تعارضت المصالح الاستراتيجية. وهذا ما يجعل السياسة الدولية اليوم أكثر تعقيدًا من الماضي  لأن الشعارات لم تعد تكفي لفهم حركة الدول.

إن صراع القرن الحادي والعشرين هو صراع على الخريطة قبل أن يكون صراعًا على الفكرة. من يسيطر على الموانئ يملك منفذًا إلى العالم. ومن يسيطر على الطاقة يملك ورقة ضغط. ومن يتحكم بسلاسل الإمداد يستطيع أن يربك اقتصادات كبرى. ومن يمتلك التكنولوجيا يستطيع أن يفرض شكل المستقبل.

لذلك يمكن القول إن الجيوسياسية أصبحت أقوى من الأيديولوجيا  لا لأنها ألغت الأفكار بل لأنها كشفت أن الأفكار وحدها لا تحمي الدول. فالدولة التي لا تمتلك موقعًا قويًا واقتصادًا متماسكًا وممرات آمنة وتحالفات محسوبة ستبقى ضعيفة مهما رفعت من شعارات.

العالم الجديد لا تسيره الخطب بقدر ما تسيره الخرائط. ولا تحدده المبادئ وحدها بقدر ما تحدده المصالح. وفي زمن تتزاحم فيه القوى الكبرى على البحار والطاقة والموانئ والتكنولوجيا تبدو الجيوسياسية وكأنها اللغة الحقيقية التي تتحدث بها الدول عندما تصمت الشعارات.

 


مشاهدات 43
الكاتب مصطفى عمار زهير شهد الزيدي
أضيف 2026/07/04 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/07/05 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 137 الشهر 4410 الكلي 15909537
الوقت الآن
الأحد 2026/7/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير