الشعب مستعد أن يعترف
فاتح عبدالسلام
المعركة ضد الفساد في العراق، هي معركة ضد الفساد السياسي أولاً وآخراً، فالسياسي هو الذي اخترع الفساد وصنع بيئته وساعده الحاكم المدني الامريكي بول بريمر الذي كان يهمه نجاح مهمته ولم ينظر بعين للاعتبار الى النمو السريع لحركة الفساد في الوضع السياسي العراق وجعل المجتمع رهينة بيد ذلك الانحراف.
السياسي وليس المواطن هو الذي امتدت يداه الى المال العام، هذه هي الحقيقة التي يواجهها مَن يريد الدخول في ميدان محاربة الفساد. لذلك هنا يحتاج المحاربون رفع شعار اعرف عدوك أولاً. ولا يشك احد في وضوح معالم وملامح العدو.
حتى لو افترضنا انه جرى اجتثاث السياسيين الفاسدين، وهو حكم افتراضي وخيالي، فإنّ البيئة التي مرّ من خلالها الفاسدون تلوثت وتعفنت وانحرفت ولابدّ من تطهيرها وتعقيمها وتصحيحها.
لذلك، هناك حقائق لا يمكن تجاوزها وهي انّ المعركة ضد الفساد لا يمكن أن تقف في الربع الأول أو في المنتصف، فالمهمة إما أن تكون كاملة ومنجزة أو لا تكون من أساسها، لأنّ ارتدادات الفاسدين الناجين ستكون قاتلة.
وثانياً، سمعنا من المسؤول الأول في حديث صحفي ان القانون ليس فيه استثناءات في مجال الفساد، وهنا عقدة جديدة تحتاج الى توضيح لم يتم استجلاؤه في الحديث الصحفي، اذ ماذا يكون الوضع لو انّ الإجراءات امتدت الى القيادات الكبيرة وليس الزعانف والزواحف والحراشف فقط.
وثالثا، هل هناك مفاضلة بين نسف العملية السياسية والاستمرار في كشف أوراق الفاسدين؟
رابعا، هل سيتاح عبر اعلان رسمي في وسائل الاعلام، للمواطنين ان يتقدموا بأدلة على مظلومياتهم الشخصية او مظلومية البلد المنهوب.
خامساً، هناك الملايين الذين يخشون ان تكون الإجراءات برغم صحتها وصدقيتها، خطوات تكتيكية تلبي حاجات مرحلية، ذلك إنّ الشعب العراقي جرى تغييبه واشغاله بمعارك جانبية أو معارك الاخرين من اجل البقاء سنوات عديدة، وان العراقي صار حاله يشبه ذلك البريء الذي القي القبض عليه في ليلة ظلماء ووضعوه تحت التعذيب للاعتراف امام المحققين بتهم لم يفعلها، وانه لشدة التعذيب صار يعترف بأشياء لم يرها ولم يسمع بها. هذا النوع من الشعوب انتهى مفعول الثورات العارمة فيه على نحو ذاتي لأنه في النهاية سيدفع الثمن قتلا في الشوارع او ايداعا في السجون. فالسياسي الفاسد اعتاد ان يثبت انه على الطريق الصحيح وهو في قمة انحرافه، في حين ان المواطن لا يستطيع اثبات براءته ابداً.
خذوها واضحة، الشعب العراقي المنهوب المذبوح المهتوك، مستعد أن يدلي بشهادة جماعية تفيد انه هو الفاسد الأول والاخير، ويشيل القضايا لوحده، بدل ان تتوقف المعركة على الفاسدين في منتصف الطرق، ويكون الشعب ميدانا لعذاب جديد.