الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فساد يلد فساد

بواسطة azzaman

فساد يلد فساد

كامل كريم الدليمي

 

لم يعد الحديث عن الفساد في العراق ترفاً سياسياً أو سجالاً إعلامياً عابراً، بل أصبح قضية وجودية ترتبط بمستقبل الدولة وقدرتها على استعادة ثقة مواطنيها. فخلال السنوات الماضية، تحول الفساد من ممارسات فردية معزولة إلى ظاهرة بنيوية متجذرة في مفاصل العملية السياسية والإدارية، حتى بات من الصعب الفصل بين النفوذ السياسي ومصالح شبكات الفساد. وقد جاءت الحملة الأخيرة التي عُرفت إعلامياً بـ”فجر الخضراء” لتؤكد حقيقة طالما أدركها العراقيون، وهي أن الفساد لم يكن وليد لحظة أو نتاج أفراد فحسب، بل هو نتاج بيئة سياسية وإدارية سمحت له بالنمو والتمدد، بل وحمت بعض رموزه من المساءلة والمحاسبة.

إن مقولة “فساد يلد فساداً” تعكس بدقة طبيعة الأزمة التي يعيشها العراق، فالفساد لا يتوقف عند سرقة المال العام أو تعطيل المشاريع، وإنما يؤدي إلى إنتاج منظومة متكاملة من المصالح والحمايات والتغطيات السياسية التي تخلق بدورها أشكالاً جديدة من الفساد. وعندما يشعر الفاسد أن هناك خطوطاً حمراء تمنع الوصول إليه، أو أن انتمائه السياسي يوفر له الحصانة، فإن ذلك لا يشجعه على الاستمرار فحسب، بل يدفع آخرين إلى سلوك الطريق ذاته، لتتحول الدولة تدريجياً إلى ساحة صراع بين مراكز النفوذ بدلاً من أن تكون مؤسسة لخدمة المواطنين.

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون انتقائية أو خاضعة لحسابات التوازنات السياسية، لأن أي استثناء أو حصانة يمثل ثغرة ينفذ منها الفساد مجدداً. ومن هنا، فإن نجاح أي حملة إصلاحية يتطلب إرادة سياسية واضحة تؤمن بأن لا أحد فوق القانون، وأن مصلحة الدولة يجب أن تتقدم على المصالح الحزبية والفئوية. كما يتطلب الأمر منح رئيس الوزراء والمؤسسات الرقابية والقضائية الصلاحيات الكاملة لملاحقة الفاسدين، بعيداً عن الضغوط والاعتبارات السياسية التي عطلت جهود الإصلاح في مراحل سابقة.

غير أن استعادة الأموال المنهوبة أو محاسبة بعض المتورطين، على أهميتها، لا تمثل سوى الخطوة الأولى في معركة طويلة ومعقدة. فالتحدي الحقيقي يكمن في منع عودة الفساد إلى جسد الدولة مرة أخرى. وهذا لا يتحقق إلا من خلال إصلاحات جذرية تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس الشفافية والكفاءة والمساءلة، وتعزز استقلال القضاء، وتفعل الرقابة المؤسسية والمجتمعية، وتوسع الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية التي تقلل من فرص الفساد الإداري والمالي، فضلاً عن ترسيخ ثقافة النزاهة في التعليم والإعلام والحياة العامة.

إن العراق يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل مكافحة الفساد من شعار سياسي إلى مشروع وطني شامل. وإذا كانت سنوات طويلة من المحاصصة والتجاذبات قد أنتجت منظومة فساد معقدة، فإن بناء دولة القانون والمؤسسات وحده قادر على كسر هذه الحلقة المفرغة. فالدول لا تنهض عندما يُحمى الفاسد، بل عندما يخضع الجميع للقانون دون استثناء، وعندما يدرك المواطن أن الدولة تحمي حقوقه لا مصالح المتنفذين.

وعندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ بالفعل رحلة التعافي، وإن زمن الفساد الذي كان يلد فساداً قد بدأ يقترب من نهايته .

 

 


مشاهدات 28
الكاتب كامل كريم الدليمي
أضيف 2026/06/30 - 3:12 PM
آخر تحديث 2026/07/01 - 12:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 43 الشهر 43 الكلي 15905170
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير