الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح الإصلاح إختباراً للسيادة

بواسطة azzaman

توقيع بغداد أم جدول واشنطن؟

حين يصبح الإصلاح إختباراً للسيادة

كاظم نزار الركابي

 

في الدبلوماسية، التوقيت رسالة. وقد يكون التوقيت أحيانًا أقوى من البيان، وأصدق من التبرير، وأشد كشفًا من كل ما يُقال في المؤتمرات الصحفية.

في أعقاب لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالمبعوث الأمريكي توم براك في بغداد، أجرت الحكومة سلسلة تغييرات مفاجئة في مواقع أمنية ومالية حساسة: رئاسة جهاز الأمن الوطني أبو علي البصري، ومحافظ البنك المركزي علي العلاق، ومواقع اقتصادية أخرى مؤثرة. ثلاثة مواقع في وقت قصير. قرار ثقيل. وصمت رسمي بدا أوسع من القرار نفسه.

لم تُعرض خريطة الإصلاح. لم تُعلن المعايير. لم يصدر بيان مؤسسي يشرح لماذا الآن، ولماذا هذه المواقع، وما الصورة التي تريد الدولة أن تبنيها بعد هذه التغييرات.

صدر القرار، وتقدّم الصمت ليملأ المساحة التي كان ينبغي أن تملأها الحجة. والصمت في السياسة لا يبقى فراغًا. يتحول إلى سؤال.

الإصلاح الذي لا يشرح نفسه

إصلاح الأجهزة الأمنية والمالية ضرورة وطنية لا تحتاج إلى إذن من الخارج كي تصبح واجبًا عراقيًا. العراق يحتاج مؤسسات محترفة، ومنظومة أمنية تخدم الدولة، وقيادات تُقاس بالكفاءة، وخزينة محمية من النفوذ.

غير أن الإصلاح الحقيقي يملك بصمة داخلية واضحة. يصدر عن تشخيص مؤسسي مكتوب. يتحرك وفق رؤية معلنة. يضع المعايير قبل الأسماء، ويعرض المنطق قبل النتائج. يحوّل القرار من مفاجأة سياسية إلى خطوة داخل مشروع دولة.

معايير معلنة

حين تأتي الإقالات بعد لقاء خارجي، من دون بيان تفصيلي، ومن دون معايير معلنة، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام إصلاح عراقي نابع من عقل الدولة، أم أمام استجابة لتوقيت فرضته محادثة مع مبعوث أجنبي؟

هذا السؤال لا يحمل اتهامًا. يحمل معيارًا.

الدَّين السيادي لا فائدة له معلنة

في الاقتصاد، الدين المالي له سعر فائدة معلن. في السياسة، الدين السيادي له سعر فائدة مضمر يُسدَّد لاحقًا من هامش القرار الوطني.

الدولة التي تُصلح لأنها تعرف ما تريد تبني مؤسسة. والدولة التي تُصلح لأن الخارج يطلب تبني واجهة. الأولى تراكم قوة. والثانية تراكم التزامًا غير مكتوب يُقرأ لاحقًا بوصفه سابقة.

السيادة لا تُفقد دفعة واحدة. تتآكل في التفاصيل. تبدأ من توقيت مشكوك فيه، ثم من قرار بلا تفسير، ثم من صمت يفتح باب التأويل، ثم من ذاكرة خارجية تحفظ لحظة الاستجابة وتستدعيها عند الحاجة.

الدين السيادي لا يظهر يوم الإعلان. يظهر بعد أشهر، حين يعود الطرف الخارجي ليطلب خطوة جديدة مستندًا إلى سابقة قديمة. لذلك يصبح الإصلاح المستورَد أكثر كلفة من الجمود أحيانًا، لأنه يمنح القرار شكلًا وطنيًا ويترك روحه في مكان آخر.

النمط الذي تكرّر منذ 2003

الإشكالية لا تتعلق بتوم براك شخصيًا، ولا بالولايات المتحدة وحدها. الإشكالية في نمط رافق الدولة العراقية منذ 2003: قرارات كبرى في الأمن والمال والسيادة تأتي كثيرًا في أعقاب لقاءات خارجية، ثم تُعرض داخليًا بوصفها قرارات عراقية مكتملة. تتغير الأسماء، ويبقى السؤال نفسه: من صاغ الأولوية؟ ومن اختار التوقيت؟ ومن يملك المعنى الحقيقي للقرار؟

الزيدي يملك فرصة من لا يملكها كثيرون. لكن الفرصة تُستثمر بتغيير طريقة صناعة القرار، لا بتغيير الوجوه فقط. الدولة لا تُبنى على الرجل الاستثنائي. تُبنى على مؤسسة تحمي القرار من مزاج الأشخاص، ومن ضغط الخارج، ومن حسابات الداخل.

الإصلاح الذاتي له توقيت لا ينتظر

وله علامات واضحة تميّزه عن نظيره الأتي من الخارج.

الإصلاح المستورَد يعلن النتيجة. الإصلاح الذاتي يعلن المنهج. الإصلاح المستورَد يغير الأشخاص. الإصلاح الذاتي يغير قواعد الاختيار. الإصلاح المستورَد ينتظر ضغطًا خارجيًا كي يتحرك. الإصلاح الذاتي يسبق الضغط ويحوّل الحاجة الوطنية إلى قرار وطني.

حين تُعلن الدولة معاييرها قبل أسمائها، لا يستطيع أحد أن يدّعي ملكية قرارها. وحين تُخفي المعايير ويظهر الاسم وحده، يصبح القرار مفتوحًا للتأويل. وكل تأويل في لحظة حساسة يتحول إلى كلفة سيادية تُدفع لاحقًا.

اختبار البنية لا اختبار الجرأة

يحمل الزيدي ملفات متشابكة: حكومة لم تكتمل، وكتل سياسية تحرس مواقعها، واقتصاد يحتاج إلى قرارات جريئة، وضغوط أمريكية واضحة في ملف السلاح، وشارع عراقي يريد دولة أكثر من حاجته إلى خطابات. هذا ثقل حقيقي لا يُنكر.

غير أن اللحظات الثقيلة هي التي تصنع معيار الحكم. العراق لا يحتاج رئيس وزراء يُثبت جرأته بعدد الإقالات. يحتاج رئيس وزراء يضع للبلد منطقًا جديدًا في صناعة القرار. يحتاج حكومة تقول بوضوح: نُصلح لأننا نعرف ماذا نريد، ونُغيّر لأن مؤسساتنا شخّصت الخلل، وننفتح على العالم من موقع الشراكة لا من موقع الاستجابة.

سياسة يومية

هذه الجملة، إذا تحوّلت إلى سياسة يومية، تساوي مئة إقالة.

الدول لا تُقاس بما توقّعه من قرارات فقط. تُقاس بمن يكتب جدول تلك القرارات.

السيادة لا تعني رفض النصيحة، ولا معاداة الشركاء، ولا إغلاق الأبواب أمام التعاون الدولي. السيادة تعني أن تدخل الدولة إلى التعاون وهي تعرف أولوياتها، وتملك معاييرها، وتحمي توقيتها، وتشرح قرارها لشعبها قبل أن تشرحه للآخرين.

هذه هي اللحظة التي ينبغي أن ينتبه إليها الزيدي. والاختبار الحقيقي ليس في الإقالات التي صدرت، إنما فيما سيصدر بعدها: هل صارت المؤسسة أقوى؟ هل يغدو القرار أوضح؟ هل شعر المواطن أن الدولة استعادت شيئًا من هيبتها؟

الدولة السيّدة تكتب جدولها أولًا، ثم توقّع عليه باسمها.


مشاهدات 38
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/06/22 - 4:07 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 1:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 21760 الكلي 15897241
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير