لو لم يعدم أبو طبر..ماذا كان سيصبح ؟
الجريمة غير معزولة عن السلطة
عبدالقادر حداد
عاش العراقيون في بداية سبعينات القرن الماضي رعبًا اسمه “أبو طبر”. لم يكن مجرد قاتل متسلسل أو لص منازل، بل تحول في الوعي الشعبي إلى صورة مكثفة للخوف ذاته . كانت الحكايات تتناقل عنه في الأزقة والبيوت كما لو أنه شبح يخرج من ظلمة الليل حاملاً فأسه، يقتحم المنازل ويترك خلفه الموت والرعب . أُلقي القبض عليه وأُعدم سنة 1976 . السؤال هو: ماذا لو لم يعدم أبو طبر؟ ماذا لو امتد به العمر حتى دخل عراق ما بعد 2003؟ هل كان سيبقى مجرد سفاح مطارد؟ أم أن البيئة الجديدة كانت ستمنحه فرصة أخرى، لا ليختبئ من الدولة، بل ليصبح جزءًا منها؟
هذا السؤال ليس تهكمًا بقدر ما هو مرآة سوداء لواقع تشكل في العراق خلال العقدين الأخيرين .
ظاهرة خطرة
فبعد العام 2003، لم تعد الجريمة حدثًا معزولًا عن السلطة، بل بدأ العراقيون يشاهدون ظاهرة أكثر خطورة وتعقيدًا: انتقال بعض المتهمين بالقتل والفساد والسرقة من هامش المجتمع إلى قلب الدولة نفسها. لم يعد “اللص” يقتحم البيوت ليلًا، بل صار أحيانًا يجلس خلف مكتب رسمي، تحرسه السيارات المصفحة، وتسبقه الألقاب والمناصب والبيانات الرسمية . قبل أيام فقط، ضُبط وكيل في وزارة النفط العراقية داخل منزله، وبحوزته ملايين الدولارات، وكميات هائلة من الذهب، وسندات لعشرات العقارات، فضلًا عن أسلحة خفيفة ومتوسطة. لم تعد القضية هنا مجرد فساد مالي، بل صورة مكتملة لتحول الدولة نفسها إلى غنيمة. فحين يجمع مسؤول رسمي بين المال والسلاح والنفوذ والعقار، فإنه لا يعود موظفًا عامًا، بل يصبح نموذجًا مصغرًا عن منظومة كاملة ترى في الدولة فرصة للهيمنة والاغتناء لا مؤسسة للخدمة العامة .
والمفارقة المؤلمة أن العراقيين لم يعودوا يُصدمون من هذه الأخبار كما في السابق. كثرة الفضائح أنتجت نوعًا من الاعتياد النفسي. صار المواطن يسمع عن مليارات مسروقة، أو مسؤول متهم بالقتل، أو شبكة فساد داخل مؤسسة سيادية، ثم يكمل يومه بصورة طبيعية، لا لأن الأمر طبيعي، بل لأن حجم التكرار حطم قدرة الناس على الدهشة. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات: أن يصبح الفساد مشهدًا يوميًا لا يثير الغضب بل التعب فقط . في الدول المستقرة، يخشى المجرم من الدولة . أما في الدول المنهكة، فتبدأ الدولة نفسها بالخوف من المجرم، ثم التفاوض معه، ثم التعايش معه، ثم إشراكه في السلطة . وهنا تتحول الجريمة من فعل فردي إلى بنية سياسية . لم يعد السؤال: “كيف سرق؟”، بل: “إلى أي جهة ينتمي؟”. ولم تعد المحاسبة مرتبطة بالقانون، بل بحجم الحماية السياسية والطائفية والحزبية التي يمتلكها المتهم .
بعد 2003، لم يكن الانهيار العراقي أمنيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا. سقطت فكرة الدولة بوصفها مرجعية عليا، وحل محلها مفهوم “المحاصصة”، حيث توزعت المؤسسات بين قوى متنافسة، لكل منها رجالها وسلاحها وشبكاتها الاقتصادية. ومع الوقت، تشكلت طبقة هجينة تجمع بين السياسة والمال والسلاح. طبقة لا تشبه رجال الدولة التقليديين، بل تشبه أمراء الإقطاعيات القديمة، حيث يتحول المنصب إلى مورد شخصي، وتصبح الوزارة أشبه بمزرعة خاصة. في هذا المناخ، لم يعد الفساد انحرافًا عن النظام، بل صار جزءًا من آلية عمله. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية . فحين يسرق موظف صغير، فهذه جريمة. أما حين تصبح السرقة شبكة متكاملة تمتد من العقود إلى التعيينات إلى الحماية القضائية والإعلامية والسياسية، فنحن أمام ثقافة كاملة لا مجرد مخالفة قانونية . لهذا يبدو “أبو طبر” اليوم شخصية بدائية مقارنة بما أنتجه العراق الحديث من نماذج أكثر تعقيدًا وخطورة. أبو طبر كان يقتحم بيتًا ليسرق عائلة. أما فاسدو اليوم فيقتحمون وطنًا كاملًا . هو كان يلوذ بالظلام كي لا يُكشف، أما كثيراً من لصوص العصر الحديث فيظهرون على الشاشات ويتحدثون عن الوطنية والإصلاح والنزاهة. كان مجرم السبعينيات يخاف من القبض عليه، بينما صار بعض مجرمي اليوم واثقين أن النظام نفسه سيحميهم أو يعيد تدويرهم في منصب آخر . المواطن لم يعد يعرف أحيانًا أين تنتهي الدولة وأين تبدأ العصابة. وحين تضيع هذه الحدود، يتآكل معنى العدالة نفسه . الأخطر من الأموال المسروقة ليس حجمها، بل الرسالة التي ترسلها للناس .
قانون انتقائي
فكل مسؤول ينجو من المحاسبة يعلن بطريقة غير مباشرة أن القانون انتقائي، وأن النفوذ أهم من الحقيقة، وأن الذكاء في العراق لم يعد يعني التفوق أو المعرفة، بل القدرة على بناء شبكة حماية تمنع السقوط . وهكذا تنقلب القيم تدريجيًا: يصبح الشريف ساذجًا، والفاسد “شاطرًا”، والمثقف مهمشًا، والانتهازي ناجحًا .
ولا يمكن لمجتمع أن ينهض وسط هذا التشوه. لأن أخطر ما يفعله الفساد ليس سرقة المال، بل سرقة الإيمان بالمستقبل . حين يرى الشاب العراقي أن بعض الذين ثبت تورطهم بالفساد أو العنف ما زالوا يتصدرون المشهد، بينما يعاني أصحاب الكفاءة من التهميش والبطالة والهجرة، فإنه يفقد ثقته بفكرة العدالة نفسها . وعندما تموت العدالة في وعي الناس، تبدأ الدولة بالتحول تدريجيًا إلى مجرد هيكل فارغ . ربما كان أبو طبر، لو عاش إلى هذا الزمن، سيدرك أن زمن اقتحام البيوت بالفأس قد انتهى، وأن العصر الجديد أكثر ربحًا وأقل خطورة. لم يعد الطريق إلى الثروة يمر عبر النوافذ المكسورة، بل عبر العقود واللجان والمناصب والواجهات السياسية. وربما كان سيفهم أن أخطر أشكال الجريمة ليست تلك التي ترتكب في الليل، بل تلك التي ترتدي ربطة عنق وتتكلم باسم الوطن .
إن مأساة العراق بعد 2003 ليست فقط في كثرة الفاسدين، بل في تحول الفساد إلى مناخ عام، وإلى أمر اعتيادي تتعايش معه المؤسسات والناس والإعلام .
ولهذا فإن معركة العراق الحقيقية ليست مع شخص أو حزب أو مسؤول بعينه، بل مع الفكرة التي جعلت الدولة غنيمة، والقانون أداة انتقائية، والمنصب فرصة للثراء لا مسؤولية عامة . ففي المجتمعات السليمة لا يسمح بتحول المجرم إلى قدوة، ولا الفاسد إلى زعيم، ولا اللص إلى شريك في إدارة الوطن .