حكايات من بَانُورَامَا الطَّفِّ
عبد الكريم الحلو
( ١ )
إنها ليستْ صُوَراً
إنَّها جِراحٌ
ما زالتْ تتنفَّسُ
تحتَ رمادِ السنينِ
كلُّ صورةٍ
نافذةٌ على وجعٍ
لم يُغلقْ بابَه الزمنُ
وكلُّ مشهدٍ
صوتٌ قادمٌ من كربلاءَ
يوقظُ في الروحِ
ذاكرةَ الدمِ النبيلِ
( ٢ )
هنا الحسين
فارسٌ يُعانقُ الشهادةَ
كما يُعانقُ المؤمنُ صلاتَه
وهنا طفلٌ
يمدُّ ظمأَهُ نحوَ الفراتِ
فتسبقُهُ السهامُ
كلُّ صورةٍ نافذةٌ
تُفضي إلى كربلاء
وكلُّ نظرةٍ إليها
تُوقظُ صهيلًا بعيداً
وعطشًا لم يَبرُدْ
ودمعًا ما زالَ
يبحثُ عن خَدٍّ يليقُ به
فبعضُ الدموعِ
لا تجفُّ بانتهاءِ الحكايةِ
( ٣ )
هُناكَ…
حيثُ كانتِ الأرضُ أضيقَ
من أنْ تَحملَ ذلكَ الألم
وأوسعَ
من أنْ تَحصرَ ذلكَ المجد
وقفَ الحسينُ شامخاً
رغم كثرة السيوفُ
وكانَ الحقُّ وحيداً
فأصبح أُمَّةً لا تُهزَم
في الطَّفِّ
لَمْ يَكُنِ الدَّمُ
نِهَايَةَ الحِكَايَةِ
بَلْ كَانَ أَوَّلَ سَطْرٍ
فِي سِفْرِ الخُلُودِ
( ٤ )
و عند ضفّةِ الفرات
كان الماءُ قريباً
كحلمِ طفلٍ بريء
وبعيداً
كاستجابةِ القدر
وكان العطشُ ..
أكبرَ من حاجةِ الجسد
وأعمقَ من الظمأٍ نفسه
كان عطشاً إلى الرحمة
و العدالة والحق
والضميرِ الذي لا ينام
كان عطشاً إلى إنسانٍ
لا يبيعُ نفسه
أمام مغريات السلطة
ولا يبدّلُ مبادئه
حين تتبدّلُ المصالح
ولا يساومُ على الحقيقة
حين يصبحُ ثمنُها باهظاً
( ٥ )
ولهذا ظلّ الفراتُ
شاهداً خجلاً
لا على عطشِ الأجسادِ
بل على عطشِ الروحِ الإنسانية
إلى الحقّ والاصلاح
كلّما ضلّت طريقَها إليه
وما زالَ عطشُ كربلاء
يجري في ذاكرتنا
كما تجري الانهار
في عروقِ الأرضِ
وما زالتِ العيونُ
كلَّما جاء محرَّمٌ
تستعيدُ ذلك الدمعَ
الذي لم يجدْ بعدُ
نهايةً لحزنِه
( ٦ )
و في الخيام ....
كانت الصورة أكثر ظلاماً وغباراً
و كانت الريحُ تمرُّ مثقلةً
بالفزع والنار والدخان
تحملُ أنينَ النساء
وهمساتِ الأطفال
ورائحةَ الخوفِ
التي تتسللُ إلى القلوب
التي كانت تبحثُ
عن أبٍ غابَ مع الغبار
وعن أخٍ دخل النزال
و لم يعد
وعن جدٍّ اسمه
( محمد )
ليعودُ ...
ويوقف هذا الليلَ الطويل
ويمسحَ الدمعَ عن وجوهٍ
لم تعرفْ بعدُ معنى الفقد
( ٧ )
لكنَّ الليلَ
ظل يمضي نحو ذروته
و الامتحانُ يزدادُ قسوةً
ساعةً بعد أخرى
ليكتبَ التاريخُ فصلاً
لم تبهتُ حروفُه بعد
حدثاً جللاً
لا يغادرُ ذاكرةَ التاريخ
لأنَّه كُتبَ بدموعِ الأطفال
وآهاتِ الثكالى
ودماءِ الذين اختاروا الكرامةَ
على حسابِ النجاة
( ٨ )
وهناك على التل
صورة مليئة بالجلالة
كانت تقف سيدة مهابه
اسمها ( زينب )
تقفُ بين الرماد
كشجرةِ من نورٍ
في عاصفةٍ ترابية
تحملُ انكسارَ العالمِ
في قلبها
و لم تنكسر
وتحملُ حزنَ الأرضِ
على كتفيها
و لم تنحن
كلَّما سقطَ شهيدٌ
تهتفُ بصوتٍ مدوي
إلهي…
" إنْ كانَ هذا يُرضيكَ
فخُذْ حتّى ترضى.”
( ٩ )
إنها ليست كلماتِ حزنٍ
بل قمّةُ الرضا
حينَ يتحوّلُ الألمُ
إلى عبادةٍ،
وتغدو التضحيةُ
جسرًا إلى الله
كانت ترى ...
ما لا يراه الآخرون
ترى ما وراء الدم والايام
وما وراء الفاجعة
و الليلِ الطويل
الذي خيم على كربلاء
زينب ... كانت تؤمن
أنَّ الرسالاتِ العظيمة
لا تحفظها السيوفُ وحدها
بل تحفظها
العهود الصادقة
وكلمات الشرف الرفيع
والقلوبُ المؤمنة
والأرواحُ التي لا تساومُ
حتى ولو كان الثمن
مال قارون
( ١٠ )
َمَضَتِ السِّنُونُ،
وَمَا خَبَا ذٰلِكَ الضِّيَاءُ
الذي حملتْه زينبُ
كربلاءَ في صوتِها
كما حمله الحسينُ
في دمِه الطاهرِ
فختم الحسينُ
رسالتَه بالشهادةِ،
وحفظت زينبَ
عهد بقاءَ الرسالةِ
ببلاغتِها الخالدةِ
كي لا تضيع
بينَ ضجيجِ الزمنِ
ولولا .. زينبُ
لظلَّت الطف
معركة عظيمةً في التاريخِ
تقرأها الأجيالُ وتمضي
لكنَّها ببلاغتِها وصبرِها
جعلتْها قضيةً حيَّةً
لا تغيبُ عن ضميرِ الإنسانيةِ
و لا تموتُ أبداً
( ١١ )
حملتْ الدمَّ رسالةً،
والفاجعةَ موقفاً،
والأسرَ انتصاراً
على جبروتِ السيفِ والسلطانِ
ثم وقفتْ شامخةً
في وجهِ الطغيانِ،
لتكتبَ على جبينِ الطغاةِ
بمدادِ العزَّةِ والكبرياءِ :
“ فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ،
وَنَاصِبْ جَهْدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا "
( ١٢ )
هذه صُوَرٌ الطفِّ…
كلَّما نظرنا إليها
لم نرَ الماضي وحدَه،
بل رأينا أنفسَنا
واقفين… مسمورينَ
أمامَ مرآةِ الحقِّ،
وأمامَ ميزانٍ
لا يختلُّ ولا يجاملُ.
يسألنا :
هل ما زلنا أوفياءَ
للدماءِ التي رَوَتْ أرضَ الطفِّ؟
هل ما زالتِ الكرامةُ
أغلى من السلامةِ ؟
وهل ما زال الحقُّ
يستحقُّ الشهادةَ؟
( ١٣ )
قُتِلَ الحسينُ
فبقيَ الذِّكرُ مخلدا
واندثرَ الطُّغاةُ
وبقيَ الحسينُ
مزارًا تهفو إليه القلوبُ
ويهدي الأحرارَ والمظلومينَ
شعلةَ الحريَّةِ والكرامةِ
ونورَ الثباتِ على الحقِّ
وبقيت الطف خالدةً
في صفحات الأيام
و امتحانًا متجدِّدًا
يعودُ كلَّ يومٍ
بوجوهٍ وأسماءٍ مختلفةٍ
و سؤالٌ مفتوحٌ على الزمن
يحدِّقُ في ضمائرِنا :
معَ مَن نقفُ؟
حين يلبسُ الفسادُ ثوبَ الدِّينِ،
ويلبسُ الباطلُ عباءةَ التُّقى؟
حين تختلطُ الأصواتُ،
وتتشابهُ الراياتُ،
ولا يبقى دليلٌ
إلا من حمل ضميرٌ
لا يساومُ على الحقِّ.
فلا توجدُ خنادقُ رماديَّةٌ
بينَ الحسينِ ويزيد
ولا بينَ الحقِّ والباطلِ
إمَّا أن تكونَ
معَ الحق مهما كان ثمنُه
وإمَّا أن تتركَه وحيداً في الميدان
كُنْ… أو لا تكنْ
تلك هي الحكاية !!