قصر عابدين.. حين تتكلّم الأشياء أكثر من التاريخ
القاهرة - هدير الجبوري
في القاهرة لا يكفي أن تزور معلماً تاريخياً لتتعرف إلى الماضي، فهذه المدينة تجعل التاريخ جزءاً من يومها العادي. وبين شوارعها المزدحمة التي لا تهدأ، تختبئ أماكن قادرة على أن تنقل زائرها إلى زمن آخر بمجرد عبوره بواباتها. وكان قصر عابدين واحداً من تلك الأماكن التي تركت في نفسي أثراً مختلفاً خلال زيارتي للعاصمة المصرية.
من الخارج يبدو القصر شامخاً وسط المدينة، محاطاً بحدائقه الهادئة وأسواره العالية، لكن ما إن يعبر الزائر بوابته حتى يشعر وكأنه ترك القاهرة الحديثة خلفه ودخل إلى عالم يحتفظ بكثير من ملامح الماضي.
لم تكن أولى ملاحظاتي مرتبطة بتاريخ القصر أو سنوات بنائه، بل بذلك الإحساس الذي يرافق التجول بين قاعاته،، فالمكان لا يشبه المتاحف التقليدية التي تعرض مقتنيات جامدة خلف الزجاج، بل يبدو أقرب إلى منزل كبير غادره أصحابه منذ زمن وتركوا خلفهم تفاصيل حياتهم اليومية كما هي.
في إحدى القاعات وقفت أمام مجموعة من الصور الفوتوغرافية القديمة التي توثق مناسبات ملكية مختلفة،، كانت الوجوه جامدة كما تفرض طبيعة التصوير في ذلك الزمن، لكنها تحمل شيئاً من الحضور الذي يجعل المتأمل يشعر بأن أصحابها ما زالوا يراقبون المكان من خلف السنوات الطويلة.
وفي متحف الأسلحة كانت الدهشة تتجدد مع كل خزانة عرض، بزات حربية ثقيلة من الحديد، وسيوف وخناجر من عصور مختلفة، وأسلحة نارية تعود إلى قرون مضت. وأكثر ما أثار فضولي لم يكن الأسلحة التقليدية، بل تلك الأدوات الصغيرة التي تبدو للوهلة الأولى أقلاماً أو عصياً أو قداحات عادية، قبل أن تكتشف أنها صممت لتؤدي وظائف أخرى خفية.
هناك أدركت أن المعروضات لا تروي تاريخ الحروب فقط، بل تكشف جانباً من طبيعة الحياة والاهتمامات التي كانت سائدة في ذلك الزمن، وكيف كان أصحاب النفوذ يحيطون أنفسهم بأشياء تجمع بين الفخامة والغرابة في آن واحد.
وفي قاعات أخرى تتبدى صورة مختلفة للحياة الملكية. ساعات فاخرة، وأدوات مائدة صنعت بعناية فائقة، وآلات موسيقية، وتحف جاءت من بلدان متعددة،، وبين قطعة وأخرى يكتشف الزائر أن هذه المقتنيات لم تكن مجرد أدوات للاستخدام، بل كانت تعكس ذائقة أصحابها وشغفهم باقتناء كل ما هو نادر ومميز.
ومن أكثر المحطات التي استوقفتني متحف الوثائق التاريخية، حيث تتحول الأوراق القديمة إلى شاهد حي على أحداث مرت بها مصر خلال مراحل مختلفة ،، فبعض الوثائق تحمل تواقيع وأختاماً رسمية، وأخرى توثق قرارات ومراسلات تكشف جانباً من الحياة السياسية والإدارية في تلك الحقبة.
أما متحف الفضيات فكان أشبه بعرض مفتوح للفخامة،، أوانٍ وأطباق وأدوات زينة صنعت بإتقان لافت، تجعل الزائر يتخيل حجم الولائم والاحتفالات التي كانت تقام داخل القصر قبل عقود طويلة. ورغم تنوع القاعات واختلاف محتوياتها، فإن ما يجمعها جميعاً هو قدرتها على إعادة تشكيل صورة الماضي بصورة إنسانية.
فالتاريخ هنا لا يظهر فقط في أسماء الملوك أو الأحداث الكبرى، بل في الأشياء الصغيرة التي استخدمها الناس واحتفظوا بها، ثم تركوها شاهداً على زمن انتهى.
وعندما غادرت القصر وعدت إلى صخب القاهرة المعتاد، بقيت في ذهني فكرة واحدة: أن بعض الأماكن لا تحفظ التاريخ فحسب، بل تحفظ أيضاً تفاصيل الحياة التي صنعت ذلك التاريخ،، وقصر عابدين واحد من تلك الأماكن التي تمنح زائرها فرصة نادرة للاقتراب من عالم مضى، لكنه ما زال حاضراً في كل زاوية وقاعة ومقتنى خلف الزجاج.