الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصداقة بين الصيف والشتاء

بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

الصداقة بين الصيف والشتاء

زيد الحلي

 

رغم أننا ما زلنا في بدايات أشهر الصيف، فإن نذره توحي بأن القادم سيكون شديد الحرارة، وعندئذ ستتأثر أدمغتنا سلباً، وتختل أمزجتنا وساعات نومنا، ويزداد التشتت وسرعة الانفعال... والله الستار.

عندي صديق، ما أجمله وأحلاه في الشتاء، وما أمره في الصيف!

ففي أيام الحر تنقلب الموازين عنده، فيصبح عنواناً للعصبية والغضب، ويتأثر من كلمة بسيطة يراها الآخرون عابرة، بينما يراها هو قضية تستحق الوقوف عندها طويلاً.

كنتُ أظن أن اختلاف الفصول يغير الطقس فقط، حتى اكتشفت أن بعض الناس تتبدل طباعهم مع تبدل درجات الحرارة، فيصبح الشتاء صديقهم الأوفى، بينما يتحول الصيف إلى خصمٍ عنيد.

إنها الحرارة... المتهم الأول دائماً. فهي لا تسبب ضربات الشمس فحسب، ولا تزيد الإجهاد الحراري علينا وعلى سائر الأحياء فحسب، بل تؤدي إلى ما هو أخطر من ذلك، إذ تغير في كيمياء الدماغ وآليات عمله، وصديقنا العزيز ليس سوى نموذج واحد من بين كثيرين.

وتؤكد الدراسات أن بعض الفئات أكثر عرضة لمخاطر الحرارة الشديدة، مثل كبار السن والأطفال، فضلاً عن الذين يعانون أمراضاً مزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض الجهاز التنفسي. بل إن الأشخاص الأصحاء أنفسهم قد يعانون آثار موجات الحر إذا تعرضوا لها لفترات طويلة، كرجال المرور وعمال الزراعة والبناء وغيرهم، إذ يؤدي الإجهاد الحراري إلى تباطؤ بعض وظائف الدماغ والشعور بالإعياء وضعف الانتباه واليقظة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجيات عاجلة للتخفيف من مخاطر حرارة الجو التي نعيش بوادرها حالياً، وفي مقدمتها الإسراع بإنشاء أحزمة ومناطق خضراء بسيطة حول المدن والأحياء السكنية، لا تتطلب كلفاً مالية كبيرة، ويمكن لبلديات المحافظات وأمانة بغداد تنفيذها بإمكاناتها المتاحة من آليات وعمال ومهندسين زراعيين، عبر زراعة الأشجار والثيل والاهتمام بالسقي والرش المنتظم. وخلال فترة وجيزة يمكن أن نحصل على مساحات خضراء تؤدي دوراً مهماً في تلطيف الأجواء والحد من سطوة الحرارة، ولاسيما أن تكرار موجات الحر أصبح واقعاً بيئياً جديداً لا مفر من التكيف معه.

ولعل المشكلة لا تقف عند حدود التأثير المباشر في صحة الإنسان، بل تمتد إلى البنية التحتية والخدمات العامة. فمع ازدياد تواتر موجات الحر، يزداد الضغط على محطات إنتاج الطاقة وشبكات نقلها، التي تزود المنازل والمستشفيات والمؤسسات بالكهرباء اللازمة لتشغيل البرادات ومكيفات الهواء وسواها من الأجهزة. ومع ارتفاع درجات الحرارة تقل كفاءة هذه المنظومات، وتزداد أعطال المحولات وخطوط النقل، وإذا تراكم الضغط فقد تتعرض الشبكات إلى الانهيار في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إلى التبريد في ذروتها، وعندها لا يقتصر الضرر على الكهرباء وحدها، بل يمتد إلى مرافق أخرى كشبكات المياه والصرف الصحي ومضخات الوقود ووسائل النقل العام.

ولأن الإنسان ابن بيئته، فإنه يتأثر بحرّها وبردها، لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرته على التكيف وحسن إدارة ظروفه. لذا فإن مواجهة الصيف لا تكون بالشكوى وحدها، بل بالتخطيط والعمل وزيادة المساحات الخضراء وترشيد استهلاك الطاقة وتعزيز الوعي البيئي، كي يبقى الإنسان أكثر هدوءاً واتزاناً مهما ارتفعت درجات الحرارة.

تحياتي لصديق الشتاء... وأمنياتي أن يصادق الصيف أيضاً!

Z_alhilly@yahoo.com


مشاهدات 69
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/06/06 - 2:52 PM
آخر تحديث 2026/06/07 - 12:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 57 الشهر 5742 الكلي 15881223
الوقت الآن
الأحد 2026/6/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير