اكتظاظ السجون في العراق.. هل حان الوقت للانتقال من العقوبة إلى الإصلاح؟
حيدر جاسب عريبي البهادلي
لم تعد السجون في الفكر الجنائي الحديث مجرد أماكن لتنفيذ العقوبات، بل أصبحت مؤسسات للإصلاح وإعادة التأهيل وإعداد الإنسان للعودة إلى المجتمع مواطناً صالحاً. فنجاح السياسة الجنائية لا يقاس بعدد من يدخلون السجون، وإنما بعدد من لا يعودون إليها بعد الإفراج عنهم. فالغاية من العقوبة ليست سلب الحرية فحسب، وإنما حماية المجتمع من خلال إصلاح الجاني وتمكينه من بدء حياة جديدة قائمة على احترام القانون.
وتواجه منظومة العدالة الجنائية في العراق تحدياً متزايداً يتمثل في اكتظاظ المؤسسات الإصلاحية، وهو تحدٍ لا يقتصر أثره على ضيق الأماكن أو ارتفاع النفقات، بل يمتد إلى تقليص فرص الإصلاح والتأهيل، وإضعاف البرامج التعليمية والمهنية والنفسية المخصصة للنزلاء، الأمر الذي قد يحول العقوبة من وسيلة للإصلاح إلى مجرد إجراء لتنفيذ الحكم.
وقد سبق الفقيه الإيطالي تشيزاري بيكاريا، أحد رواد الفكر الجنائي الحديث، أن أكد أن الغاية من العقوبة ليست الانتقام، وإنما منع الجريمة وحماية المجتمع. وبعد أكثر من قرنين على هذه الفكرة، لا تزال العدالة الإصلاحية تثبت أن المجتمع لا يصبح أكثر أمناً بكثرة السجون، وإنما بقدرته على إعادة بناء الإنسان ومنع عودته إلى الجريمة.
وانطلاقاً من هذا المفهوم، جاء قانون إصلاح النزلاء والمودعين العراقي رقم (14) لسنة 2018 ليؤكد أن المؤسسات الإصلاحية لا يقتصر دورها على تنفيذ العقوبة، بل يمتد إلى إصلاح النزيل وتأهيله وإعداده للاندماج في المجتمع. كما أن المادة (37) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 كفلت صيانة كرامة الإنسان وحظرت كل معاملة تمس إنسانيته، وهو ما ينسجم مع فلسفة العدالة الإصلاحية التي توازن بين حماية المجتمع واحترام حقوق الإنسان.
غير أن السؤال الأهم يبقى: ماذا بعد انتهاء مدة العقوبة؟
إن كثيراً من المفرج عنهم يغادرون المؤسسة الإصلاحية وقد تغيرت سلوكياتهم، لكنهم يصطدمون بمجتمع لا يمنحهم فرصة جديدة. فالوصمة الاجتماعية، وصعوبة الحصول على عمل، وضعف الدعم النفسي والاجتماعي، وأحياناً تفكك الأسرة، كلها عوامل تدفع بعضهم إلى العودة للجريمة، ليس لأن برامج الإصلاح فشلت، بل لأن المجتمع لم يكمل ما بدأته المؤسسة الإصلاحية.
وهنا تتحمل الدولة خسارة مزدوجة؛ فهي من جهة أنفقت مبالغ كبيرة على إيواء النزيل ورعايته وتأهيله داخل المؤسسة الإصلاحية، ومن جهة أخرى تجد نفسها مضطرة إلى تحمل تكاليف التحقيق والمحاكمة والتنفيذ مرة أخرى عندما يعود الشخص ذاته إلى ارتكاب الجريمة. ولذلك فإن نجاح السياسة الجنائية لا يتحقق بانتهاء العقوبة، وإنما بمنع تكرارها.
إن إعادة الإدماج المجتمعي ليست عملاً خيرياً، بل هي استثمار مباشر في الأمن الوطني. فكل شخص يعود إلى حياته الطبيعية يمثل جريمة تم منعها، وضحية تم حمايتها، وموارد عامة تم الحفاظ عليها. ومن هنا فإن مسؤولية إعادة الإدماج لا تقع على عاتق وزارة العدل وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين مؤسسات الدولة كافة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني.
فالإعلام مطالب بالانتقال من تكريس الصورة النمطية عن السجين إلى نشر ثقافة “الفرصة الثانية”، بينما يقع على عاتق المؤسسات الدينية ورجال الدين ترسيخ قيم التوبة والإصلاح والتسامح، بما يعزز قبول المجتمع للمفرج عنهم. أما منظمات المجتمع المدني، فإنها مدعوة إلى تأسيس جمعيات متخصصة في الرعاية اللاحقة، تقدم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي والمهني للمفرج عنهم وأسرهم، وتساعدهم في الحصول على فرص العمل والتدريب، لأن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي هو الضمانة الحقيقية لعدم العودة إلى الجريمة.
وفي المقابل، فإن مواجهة مشكلة الاكتظاظ لا تكون ببناء المزيد من السجون، لأن ذلك يعالج النتائج ولا يعالج الأسباب. فالسياسة الجنائية الحديثة تتجه إلى التوسع في العقوبات والتدابير البديلة التي تحقق الردع والإصلاح معاً، وتخفض في الوقت نفسه الكلفة المالية التي تتحملها الدولة.
ومن أبرز هذه البدائل المراقبة الإلكترونية باستخدام السوار الإلكتروني، وهو نظام أثبت نجاحه في العديد من الدول. ففي فرنسا أصبح السوار الإلكتروني وسيلة معتمدة لتنفيذ بعض العقوبات خارج السجن مع بقاء المحكوم عليه تحت الرقابة القضائية، بما يسمح له بالاستمرار في عمله والحفاظ على استقرار أسرته. كما اعتمدت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا النظام ضمن منظومة العقوبات البديلة، بينما طبقت المملكة العربية السعودية المراقبة الإلكترونية في عدد من الحالات التي تسمح بها الأنظمة، وهو ما أسهم في ترشيد استخدام الحبس، وتخفيف الاكتظاظ، وتحقيق قدر أكبر من إعادة التأهيل.
ولا يقل أهمية عن ذلك التوسع في تطبيق الإفراج الشرطي وفق ضوابط قانونية دقيقة، بعد قضاء جزء من العقوبة وإثبات حسن السلوك، مع استمرار المتابعة والإشراف خلال مدة الإفراج. فمثل هذه الإجراءات تشجع النزلاء على الالتزام ببرامج الإصلاح، وتخفف الضغط على المؤسسات الإصلاحية، وتقلل الإنفاق الحكومي، وتحافظ على الروابط الأسرية والاجتماعية للمحكوم عليهم.
إن العراق بحاجة اليوم إلى إطلاق برنامج وطني للرعاية اللاحقة وإعادة الإدماج المجتمعي، تشترك في تنفيذه وزارة العدل ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية ومجلس القضاء الأعلى، بالتعاون مع الحكومات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، ليصبح إصلاح الإنسان مشروعاً وطنياً تتقاسم مسؤوليته جميع المؤسسات، لا مسؤولية جهة واحدة.
إن بناء المزيد من السجون قد يكون حلاً مؤقتاً، أما بناء الإنسان فهو الحل الدائم. فالإنفاق على إعادة الإدماج ليس عبئاً على الموازنة العامة، بل استثمار طويل الأمد في الأمن والاستقرار والتنمية. والدولة التي تمنح السجين فرصة حقيقية ليبدأ من جديد لا تحمي فرداً واحداً فحسب، بل تحمي المجتمع بأسره، وتؤكد أن العدالة الحقيقية لا تتحقق عند تنفيذ العقوبة، وإنما عندما يتحول المحكوم عليه إلى مواطن صالح يسهم في بناء وطنه بدلاً من أن يعود إلى دائرة الجريمة.
باحث دكتوراه في القانون العام