الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سراب النفط وسجن الهيكل اقتصاد يمضي ولا يثمر

بواسطة azzaman

سراب النفط وسجن الهيكل اقتصاد يمضي ولا يثمر

نبيل رحيم العبادي

 

يقف المواطن العراقي أمام لوحة صادمة يراها ببصره ويعيشها بجسده فبينما تصدر بلاده النفط بمليارات الدولارات شهريا تعجز عن تأمين كهرباء مستمرة أو تشغيل معمل يصنع بديلا للواردات وتتكدس الشهادات العليا دون فرص عمل إلا في دوائر الدولة التي أضحت عالة على الموازنة بينما ينشط القطاع الخاص في التوسط التجاري والاستيراد لا في التصنيع والإبداع ليتساءل المرء بمرارة عن سر هذا التناقض الصارخ وتتجه الأنظار سريعا إلى التهم المألوفة من فساد وغياب تنويع وضعف قطاع خاص لكن هذه التهم وإن كانت صحيحة لا تخدش إلا سطح المشكلة أما جرحها العميق فيكمن في هيكل النظام ذاته الذي يصمم دورة النقد فيه بطريقة عجيبة تبدأ من شركة تسويق النفط سومو حيث يدخل الدولار النفطي ثم يتحول في البنك المركزي إلى دينار عراقي عبر نافذة كانت تسمى سابقا بالمزاد وتحولت منذ مطلع عام ألفين وخمسة وعشرين إلى نظام المراسلة المصرفية الدولية بضغط أمريكي للحد من غسيل الأموال وتهريب العملة ثم تصرف وزارة المالية هذه التدفقات على هيئة رواتب ونفقات تشغيلية تذهب إلى السوق المحلية التي تفتقر إلى الإنتاج فتشتري بهذه السيولة بضائع مستوردة قبل أن يعود الدولار مرة أخرى إلى الخارج عبر الحوالات ومنافذ الحدود وشبكات الصيرفة وتهريب النقد والمضاربة على فروق السعر بين السوقين الرسمي والموازي وفي ربيع عام ألفين وستة وعشرين جاءت صدمة مضيق هرمز لتؤكد هذا التشخيص بوضوح مخيف حيث تسبب تعطل المرور البحري في هبوط حاد للإنتاج النفطي والصادرات الجنوبية وامتلأت الخزانات وتراجعت الإيرادات خلال أسابيع قبل أن يبدأ استئناف تدريجي مع تحسن الظروف فلم تخلق هذه الصدمة الخلل العراقي بقدر ما كشفت عن عمقه المزمن فالاقتصاد الذي كان عاجزا حتى في أوقات الهدوء عن الاحتفاظ بدولاره النفطي داخل دورته المحلية وجد نفسه أمام خطر أشد تمثل في انقطاع التدفق ذاته ليتجلى أن المعضلة ليست فقط في سوء استغلال الإيراد بعد دخوله بل في هشاشة القناة التي يدخل منها أصلا وبهذا المعنى لا ينبغي النظر إلى أزمة ألفين وستة وعشرين كحادثة طارئة بل كاختبار حي للفخ البنيوي القائم حيث يقوم معظم النشاط على إنفاق ريعي سريع التسرب وضعف إنتاجي ومضاعف اقتصادي منخفض واستيراد مرتفع يجعل أي انقطاع مفاجئ في التدفق النفطي يتحول إلى أزمة مالية وتجارية ونقدية تمتد إلى الموازنة والرواتب والاستقرار الاجتماعي فتكون الحرب مجرد مرآة تعكس الحقيقة لا عامل تغيير ومن هنا تتبدى الإجابة الصحيحة على سؤال الإصلاح وهي أن المشكلة ليست غياب التنويع لأن التنويع نتيجة لا عملية بل إن الجوهر يكمن في إعادة صياغة التوازن الاقتصادي كيف نجعل الدينار يدور داخل الاقتصاد العراقي مدة أطول كيف نوجه القروض المصرفية إلى المعامل لا إلى تجار المستوردات كيف نعيد هندسة المنافذ الحدودية لتكون أداة لخفض الكلفة لا محطة لتسرب الرشاوى إن الإجابة ليست في شعارات التغيير بل في تفكيك هذا الهيكل المبتور الذي يمر عبره الدولار كالماء في الغربال فلا يروي ظمأ ولا يبني عزا

 


مشاهدات 50
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/07/27 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/07/28 - 1:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 81 الشهر 30244 الكلي 15995370
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير