كلام أبيض
لست متشائماً ولكني قلق
جليل وادي
من حقي أن أقلق، فما أراه لا يُسر، ولا يبعث فينا الأمل، كثيرا ما ناقشت نفسي لعلي أكون مخطئا، وطرحت عليها العديد من الأسئلة، ومنها : كيف سيكون مستقبلنا؟، وليس في مخيلتي سوى ان هناك غابة تلوح في الأفق، وجذوعها بدت واضحة للعيان، فما الذي حدث ، وكيف صرنا هكذا؟
بالأمس تجولت ليلا في مدينتي، ومع عدم رغبتي بالتجوال الليلي على عكس خلق الله، الا ان مراجعة عيادة بيطرية اضطرتني للخروج، ذلك ان بعض أطفال حينا طاردوا بالحجارة جروا صغيرا لا يتجاوز عمره الثلاثة أشهر، وكانت واحدة منها قاسية جدا الى درجة جعلت الجرو يزحف على بطنه غير قادر على استعمال قدميه الخلفيتين، والسؤال من وكيف اكتسب أطفالنا هذه الروح العدوانية؟
الحياة في ليل المدينة تسودها العشوائية، فالدراجات النارية التي يقودها شباب وأطفال وبعضهم حتى دون سن العاشرة تجول وتصول في الشوارع كيفما تشاء، الدوريات المرورية والأمنية تشاهد ما يجري ولا تحرك ساكنا، أطفال لا يعرفون قواعد السير في الشوارع العامة، يرتجف شعر رأسك جراء قلقك وخوفك، وانت في منتهى التركيز، لأنك تدرك ان حادثا مروريا قد يجبرك على بيع منزلك لحل مشكلته، بمعنى التضحية بما حققته طوال عمرك، كما ان الشباب الذين يقودون درجات خدمة التوصيل يسيرون بسرعة فائقة وكأنهم ذاهبون الى الآخرة، فتساءلت مع نفسي وحديثي موجه الى مديرية المرور العامة، ايهما أهم : توصيل الطلبات ام حياة الأنسان؟، اتمنى عليها تزويدنا باحصائيات حوادث الدراجات، لنرى كم من الشاب خسرنا موتا وعوقا؟
صار البعض لا يقول لك شكرا مع انك أسديت له فضلا، وان سلمت عليه لا يرد عليك السلام بمثله او بأحسن منه، على مضض يرد ومن وراء (خشمه) كما يُقال، تخاطب نفسك همسا: لا عليك، لا تتوقف عن سلوكك الذي يعبر عن أخلاقك، وان أجبرك بعض الناس على التعالي ومغادرة تواضعك وبساطتك، لا تتخذ قرارا بعدم التصرف اللطيف معهم.
انحرفت جانبا وعلى بعد مسافة ليست بالبعيدة صادفني كوفي شوب مكتظ بالشباب، والجميع يدخن الأركيلة، حتى ان سحابة رمادية اللون تغطي فضاء الكوفي، لا أدري ان كان وجودهم للترويح عن جهد النهار الذي بذلوه في العمل، ام صار السهر ليلا والنوم نهارا ديدن العاطلين.
تقود سيارتك فلا أحد يسمح لك بالاستدارة الا بعد مرور ستة مركبات على أقل تقدير، بالرغم من وجود (طسة) قبل الاستدارة، يأتيك بسرعة ليخيفك لكي لا تستدير، وان غامرت يربكك بصوت المنبه، ولا يستحي حتى وان وقعت نظراتك في عينيه . لم أر لمقولة المرور (السياقة: ذوق وفن وأخلاق)، تجسيدا لها في الشارع الا ما ندر، اما اذا كانت السيارة باللون الأسود رباعية الدفع، فأنصحك بعدم مزاحمته وان كان بعيدا عنك، دعه يمر حتى وان أخذ دورك أمام محطة تعبئة الوقود، فمثل هؤلاء يرون أنفسهم فوق الجميع، وحضراتكم تعرفون من أقصد؟. فعندما تفتقد السياقة الذوق والأخلاق، فهذا يعني اننا أبعد ما نكون عن التحضر، ان لم تكن الروح العدوانية غير المبررة قد تجذرت في نفوسنا.
ومع اني ابن المدينة، لكني لم أشعر بالأمان أبدا، بخاصة وان بعض الأزقة يسودها ظلام دامس، في بلاد يزداد العاطلين فيها، ويسود الظلام في أغلب مناطقها، وتجوبها الدراجات وبعضها على شكل مجاميع، وأظن لو أتيحت لهذه المجاميع الفرصة لارتكاب سلوك عنيف سيمارسونه دون تردد، كتسليب أحد المارة، او سرقة حقيبة فتاة تمشي على الرصيف، وهنا تخيلت نفسي سائحا أجنبيا، فأجزم بأنه سيحلف بأغلظ الأيمان على عدم العودة للعراق ثانية. أرجو ان لا يزعل البعض عندما أقول : اننا شعب غير متحضر، وان لا يحاسبني ذاك الذي سيصرخ بأعلى صوته: كيف تصفنا هكذا، ألسنا أصحاب أول حضارة في الكون، وأرد عليه : بماذا تفسر ما نراه من ظواهر : يا أخي، ألا ترى ان الاخلاق تندحر، والذوق يتراجع، والروح العدوانية تشيع، والقيم النبيلة تتزعزع، أليس هذا مؤشر قاطع على فشل منظومتنا التربوية في عملها، فكيف لا أقلق على المستقبل.
jwhj1963@yahoo.com