أزمة الكتاب بين مطرقة الناشر وسندان القارئ الغائب
اكرم عبدالرزاق المشهداني
قبل دقائق كنت اتحدث مع اخي العزيز الاستاذ اياد العناز في موضوع ازمة الكتاب والكاتب.. حيث لم يعد الكتاب اليوم مجرد ورقٍ محمّل بالحبر، بل صار كائنًا هشًّا يتنقّل بين الأيدي مرتجفًا، كأنه يسأل: هل ما زال لي مكان في هذا العالم؟
فالكاتب، ذلك الساهر على ضوء مصباحٍ خافت، يسكب من روحه أكثر مما يسكب من قلمه. يكتب وهو يظن أن الليل صديقُه، وأن الفجر سيحمل إليه قارئًا يقدّر هذا الجهد.
لكن الفجر يأتي…
ويكتشف أن العالم مشغولٌ عنه، وأن صوته يضيع في ضجيج الحياة اليومية.
على الجانب الآخر، يقف الناشر، لا كعدوٍّ بالضرورة، بل كمن يحسب بالأرقام لا بالعواطف.تكاليف الورق ترتفع، الطباعة تزداد كلفة، السوق يضيق، والربح يصبح هاجسًا لا يفارق المكاتب الزجاجية.
وهكذا يجد الكاتب نفسه بين مطرقة الجشع أحيانًا، وسندان الضرورة أحيانًا أخرى. فالناشر يريد كتابًا يبيع، والكاتب يريد كتابًا يضيء. وبين البيع والضياء… تضيع الحقيقة.
فتح كتاب
ثم يأتي القارئ العربي، ذلك الغائب الحاضر. ليس عزوفه كسلًا، بل هو ابنُ يومٍ مثقلٍ بالهموم. يستيقظ على أخبارٍ تُنهك الروح، ويقضي نهاره في سباقٍ مع لقمة العيش، ويعود ليلًا منهكًا لا يملك طاقةً لفتح كتاب. وإن أراد، وجد الأسعار أعلى من قدرته، وكأن المعرفة أصبحت رفاهية لا حقًا.
وهكذا تتكوّن الدائرة القاسية:
الكاتب يتعب…
الناشر يحسب…
والقارئ يبتعد…
والكتاب، هذا الكائن الجميل، يقف في المنتصف كضحية لا ذنب لها.
لكن رغم كل ذلك، يبقى هناك شيء لا يموت:
إصرار الكاتب. ذلك الإصرار الذي يشبه جذور شجرةٍ قديمة، تضرب في الأرض مهما اشتدّ الجفاف.فالكاتب الحقيقي لا يكتب ليبيع، بل ليشهد.
يشهد على زمنه، على روحه، على ما يراه وما يخشاه وما يحلم به.
وما دام هناك كاتبٌ واحد يصرّ على الكتابة، فسيبقى للكتاب مستقبل، ولو بدا بعيدًا.
إن أزمة الكتاب اليوم ليست أزمة ورقٍ ولا أسعار، بل أزمة علاقةٍ بين ثلاثة أطراف فقد كلٌّ منهم ثقته بالآخر. وما نحتاجه ليس معجزة، بل إعادة بناء هذه الثقة:
أن يثق الكاتب بأن جهده لن يضيع،
وأن يثق الناشر بأن الجودة يمكن أن تربح،
وأن يثق القارئ بأن الكتاب ليس عبئًا، بل نافذة نجاة.
حتى ذلك الحين…
سيظل الكاتب يسهر، والكتاب ينتظر، والقارئ يبحث عن لحظة صفاء.
ولعلّ هذه اللحظة تأتي، ولو بعد حين.