ماذا يدور في رأس الرئيس؟
قراءة في عقل ترامب تجاه إيران
عطا شمیراني
في السياسة الدولية، ليست كل التصريحات مجرد كلمات. بعض الجمل تُقال بوصفها رسائل نفسية، وبعضها يُطلق كإشارات حرب، وبعضها الآخر يكون إعلانًا مبكرًا عن تحولات كبرى لم تبدأ بعد. وما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران ومضيق هرمز لا يمكن قراءته كتصريحات عادية لرئيس غاضب أو سياسي يستعرض قوته أمام الإعلام، بل ينبغي فهمه ضمن عقلية رجل يرى العالم من زاوية الهيبة، والردع، والسيطرة على موازين الخوف.
حين قال ترامب: “سأجتمع الآن في غرفة العمليات لاتخاذ القرار النهائي”، كان يدرك جيدًا أن هذه العبارة وحدها قادرة على إدخال المنطقة بأكملها في حالة ترقب. فـ”غرفة العمليات” ليست مجرد مكان إداري داخل البيت الأبيض، بل رمز للحظة التي تنتقل فيها الدولة العظمى من لغة السياسة إلى احتمالات القوة المباشرة. إنها العبارة التي تُستخدم عندما يصبح القرار أكبر من مجرد خطاب إعلامي، وأقرب إلى لحظة رسم مصير.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما الذي قاله ترامب، بل ما الذي يفكر فيه فعلًا؟
ترامب ينظر إلى إيران باعتبارها عقدة استراتيجية مزمنة في الشرق الأوسط، لا مجرد خصم إقليمي. ومنذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، بدا واضحًا أنه لا يؤمن بمنطق “إدارة الخطر”، بل بمنطق “إزالة الخطر بالكامل”. لذلك فإن إصراره على أن إيران “لن تمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا” ليس مجرد شرط تفاوضي، بل تصور كامل لطبيعة النظام الدولي الذي يريد أن يفرضه.
ردع امريكي
في عقل ترامب، امتلاك إيران للسلاح النووي لا يعني فقط تهديد إسرائيل أو الخليج، بل يعني سقوط صورة الردع الأمريكي عالميًا. لأن أي دولة تُصنف كخصم لواشنطن وتنجح في الوصول إلى السلاح النووي رغم العقوبات والضغوط، ستُظهر الولايات المتحدة كقوة عاجزة عن فرض خطوطها الحمراء. وهذا تحديدًا ما يرفضه ترامب نفسيًا وسياسيًا.الرجل لا يفكر كدبلوماسي تقليدي، بل كرجل صفقات. وفي عالم الصفقات، لا يكفي أن تحقق مكسبًا، بل يجب أن تجعل الطرف الآخر يشعر بأنه خسر كل شيء. ولهذا يستخدم لغة الحد الأقصى دائمًا: “لن تمتلك أبدًا”، “يجب فتح المضيق فورًا”، “القرار النهائي”. هذه ليست لغة مساومات تدريجية، بل لغة رجل يريد فرض المعادلة قبل بدء التفاوض أصلًا. أما مضيق هرمز، فهو جوهر القصة كلها. فالعالم قد يتحمل أزمات سياسية، لكنه لا يتحمل اختناق شريان الطاقة العالمي. أكثر من ثلث تجارة النفط البحرية تمر عبر هذا المضيق، وأي تهديد له يعني ارتفاع أسعار النفط، واهتزاز الأسواق، وربما دخول الاقتصاد العالمي في موجة اضطراب خطيرة. لذلك حين يطالب ترامب بفتح المضيق “دون أي رسوم”، فهو لا يتحدث عن الملاحة فقط، بل يعلن رفضه لفكرة استخدام الجغرافيا كسلاح سياسي. لكن الرسالة الأهم ليست موجهة لإيران وحدها. هناك أطراف أخرى تقرأ هذه التصريحات بعناية: الصين، روسيا، أوروبا، وحتى الدول الخليجية. الصين مثلًا تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وأي اضطراب في هرمز يهدد أمنها الاقتصادي. أما روسيا، فترى في التوتر فرصة لاستنزاف واشنطن ورفع أسعار الطاقة. بينما أوروبا تخشى دائمًا أن تتحول أي مواجهة في الخليج إلى موجة تضخم وأزمات طاقة جديدة. لذلك فإن ترامب، عندما يتحدث عن هرمز، لا يخاطب طهران فقط، بل يخاطب النظام الدولي كله. اللافت أيضًا في تصريحاته أنه يجمع بين التهديد والطمأنة في الوقت نفسه. فعندما يقول إن “السفن العالقة يمكنها العودة إلى الديار”، فهو يقدم نفسه بوصفه الرجل الذي سيعيد الاستقرار للممرات البحرية. لكنه في الوقت ذاته يرسل رسالة مبطنة بأن هذا الاستقرار قد يُفرض بالقوة العسكرية إذا اقتضى الأمر.
في العمق، ترامب لا يحب الحروب الطويلة، لأنه يعرف أن المجتمع الأمريكي تعب من حروب الشرق الأوسط الممتدة منذ عقود. لكنه يحب صورة “الرئيس الحاسم”.
ولذلك فإن السيناريو الأقرب لعقله ليس غزوًا شاملًا لإيران، بل مزيج من الضغط الاقتصادي، والتهديد العسكري، وربما ضربات محدودة ومدروسة تهدف إلى كسر الإرادة الإيرانية دون التورط في احتلال أو حرب مفتوحة.
هو يريد أن يبدو كرئيس يُرهب خصومه، لا كرئيس يغرق في المستنقعات العسكرية. وهذه نقطة أساسية لفهم طريقة تفكيره. فترامب يؤمن أن الهيبة أحيانًا أهم من الحرب نفسها، وأن الخصم إذا اقتنع بأنك مستعد للذهاب بعيدًا، فقد يتراجع قبل وقوع المواجهة.
لكن المشكلة أن الشرق الأوسط ليس ساحة يمكن التحكم بها بسهولة. إيران ليست دولة معزولة تمامًا، بل تمتلك أدوات نفوذ إقليمية واسعة، وشبكات حلفاء، وقدرة على إدارة حروب غير مباشرة. وهي تدرك أن المواجهة التقليدية مع الولايات المتحدة ليست في صالحها، لذلك تعتمد دائمًا على استراتيجيات الاستنزاف، وخلق الأزمات المتفرقة، والضغط غير المباشر.
وهنا تكمن أخطر نقطة: احتمال سوء التقدير. فحين يقتنع كل طرف أن الآخر لن يتراجع، تصبح احتمالات الانفجار أكبر بكثير. ترامب يريد أن يُظهر أنه لا يخاف من التصعيد، وإيران تريد أن تثبت أنها لا تخضع للتهديد. وبين هاتين الإرادتين، قد تتحول المنطقة كلها إلى ساحة اختبار للقوة.
هناك أيضًا البعد الداخلي الأمريكي. ترامب يعرف أن صورته السياسية تقوم على فكرة “الرجل القوي”. وكلما ظهر بمظهر الرئيس الذي يفرض شروطه على إيران، ارتفعت شعبيته لدى قاعدته المحافظة. ولذلك فإن تصريحاته ليست موجهة للخارج فقط، بل للداخل الأمريكي أيضًا. إنه يريد أن يقول للناخب الأمريكي إن الولايات المتحدة عادت لتتصرف كقوة عظمى لا تقبل التحدي.
لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يسعى ترامب فعلًا إلى الحرب، أم أنه يستخدم شبح الحرب لإجبار إيران على تقديم تنازلات كبرى؟
الأرجح أنه يريد الأمرين معًا؛ أن يبدو مستعدًا للحرب إلى أقصى درجة، حتى لا يضطر لخوضها فعليًا. وهذه هي فلسفة الردع التقليدية: إقناع الخصم بأن كلفة التحدي ستكون كارثية.
في النهاية، ما يدور في رأس ترامب لا يتعلق بإيران وحدها، بل بصورة أمريكا نفسها. هل تبقى الدولة التي تفرض الخطوط الحمراء، أم تتحول إلى قوة تتفاوض على شروط الآخرين؟ بالنسبة له، الهيبة ليست تفصيلًا رمزيًا، بل أساس النظام الدولي بأكمله.
ولهذا تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية؛ مرحلة قد تحدد مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط، وربما شكل العلاقة بين القوة الأمريكية والعالم لسنوات طويلة قادمة.