الصين والمجاعة
رحيم الشمري
واجه الازدهار الذي طالما روّج لها الحزب الشيوعي الصيني وتهاوى تحت وطأة الاهمال ، فخلف أفق المدن البراق والتصريحات الرسمية عن الاستقرار ، لتتكشف حقيقة قاتمة مواطنون يقتحمون المباني الحكومية يائسين ، وشوارع تعج بالمتسولين ، ومصانع معطلة ، وبطالة ترتفع إلى مستويات تسخر من الإحصاءات الرسمية .
المشهد ليس مشهد قوة عظمى صاعدة ، بل مجتمع يترنح على حافة الانهيار، حيث ينخر الجوع في الكرامة ، وتُكبّل الديون الملايين باليأس في المراكز الصناعية التي كانت تُحتفى بها كمحركات للنمو، يسود الصمت المصانع التي كانت تعج بالإنتاج المتواصل تقف الآن مهجورة ، أبوابها موصدة ، وآلاتها تتراكم عليها الأتربة ، العمال المهاجرون ، عماد المعجزة الاقتصادية الصينية ، يتجولون بلا هدف من معرض توظيف مكتظ إلى آخر ، ليجدوا الوعود تتبخر في الهواء .
تحوّل برنامج «عمل نسيم الربيع» الحكومي ، الذي رُوّج له كحلٍّ ، إلى مهزلةٍ قاسية ، حيث تُنظّم معارضٌ يتنافس فيها الآلاف على حفنةٍ من الوظائف الهشّة ، بأجورٍ مُخفّضة إلى 3000 أو 4000 يوان ، ويُرفض طلب أي شخصٍ يجرؤ على طلب 5000 يوان باعتباره طلبًا غير واقعي ، أما بالنسبة لمن وُلدوا في سبعينيات القرن الماضي ، فالحكم عليهم أشدّ قسوةً: يُقال لهم «كبار في السن»، وكأن عقودًا من العمل يمكن محوها بهزةٍ بيروقراطية ، وتُخبرنا الشوارع ببقية القصة .
تتحوّل أسواق العمل في منتصف الليل إلى فوضى عارمة ، حيث تتصارع الحشود على وظيفةٍ واحدةٍ شاقةٍ لا تتجاوز قيمتها 200 يوان ، يندفع الأعمام والعمات إلى الأمام ، وهم يصرخون طلبًا للنجاة ، وكلّ نداءٍ منهم يُردّد صدى انهيار نظامٍ لم يعد يُوفّر شيئًا ، ليعود الكثيرون إلى ديارهم مُنهزمين ، يزرعون قطعًا صغيرةً من الأرض هربًا من إذلال التسول للحصول على وظائف مؤقتة تختفي بالسرعة نفسها التي تظهر بها ، إنّ العبء النفسي هائل يعترف الشباب بشعورهم بأنهم محاصرون وعاجزون عن إيجاد عمل يناسب قدراتهم ، وقلوبهم تقاوم فكرة الكدح المتواصل.
ما يسميه الحزب الشيوعي الصيني «تقلبات طفيفة» ليس في الحقيقة إلا موجة عارمة من اليأس ، تتراوح أرقام البطالة الرسمية حول 10بالمئة، لكنّ التقارير المستقلة تشير إلى أنّ الواقع أكثر قسوة ، إذ يقترب من 50بالمئة ، الفجوة بين الدعاية والواقع المعيشي هوة سحيقة يسقط فيها الملايين ، تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي ، رغم الرقابة ، بشهادات صادقة ، «ظننت أنني الوحيد العاطل عن العمل. اتضح أن هناك أعدادًا هائلة منّا»، هذه الأصوات غير المنقحة والواقعية ، تكشف زيف رواية الحزب ، قد يُسكت الحزب الشيوعي الصيني المعارضة ، لكنه لا يستطيع إسكات الجوع ، الديون تُفاقم البؤس ، في خمسة آلاف عام من التاريخ الصيني ، لم يسبق أن كان هذا العدد من الناس مُكبَّلاً بالدائنين ، أكثر من 900 مليون مواطن مدينون ، وأكثر من 8.6 مليون منهم تحت أوامر التنفيذ ، تجاوزت مزادات العقارات القضائية 3 ملايين عملية بيع العام الماضي ، وقد تتجاوز 5 ملايين هذا العام. تتفكك الأسر تحت وطأة القروض ، تُباع المنازل، وتنهار الزيجات ، ويتشتت الأطفال ، منصات الإقراض عبر الإنترنت، بأسعار فائدة سنوية تتراوح بين 23بالمئة و36بالمئة، تُوقع المقترضين في دوامة أشبه بالمقامرة منها بالتمويل
رجل اقترض 10,000 يوان يجد نفسه مضطرًا لسداد 13,000 يوان في غضون عام ، بينما يعترف آخر مدين 100,000 يوان بدخل شهري قدره 15,000 يوان «لم أعد أحتمل»، جيل ما بعد التسعينيات ، الذي بلغ ذروة سن الكسب ، غارق في الديون بنسبة 87بالمئة، بينما 13بالمئة فقط خالٍ من الديون ، ووعد الحزب الشيوعي الصيني بـمجتمع مزدهر باعتدال أصبح مجرد نكتة قاسية ، التدهور الهيكلي لا يُنكر ، تتركز 90بالمئة من الثروة في أيدي 10بالمئة من السكان ، تاركةً العمال العاديين بفتاتٍ لا يُحصى ، وقد تضاعفت ديون الأسر منذ عام 2019، وارتفعت حالات التخلف عن السداد بالتوازي ، إن هوس الحزب بأرقام النمو يُخفي حقيقة أن النمو لا يُفيد .