أناقة المظهر وخريف الفكر
أحمد فاتح محمد
تعلّمنا من قواميس التاريخ أن البرلمانات هي «بيوت الحكمة»، والمحافل الرفيعة التي تُصهر فيها القوانين لتأمين غد الشعوب. تحت تلك القباب العريقة، كانت الخصومة السياسية تُدار بنبل فريد حيث يتواجه الرجال بالحجة والبيان، وتولد التشريعات من رحم نقاش رصين يضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار عابر. لم تكن المقاعد مجرد وجاهة، بل كانت مسؤولية أخلاقية أمام التاريخ.
لكن، حين يتأمل المرء المشهد البرلماني المعاصر، يجد نفسه مدفوعاً إلى مقارنة حزينة. لقد تراجعت تلك التقاليد الرفيعة لتخلي المكان لممارسات تنتمي إلى عالم «المقاصة التجارية» وتصفية الحسابات الشخصية والحزبية. تحول فيها الحرم التشريعي من منارة للرقابة والترشيد إلى منصة لإحراج الشريك، أو كسر عظم الخصم، أو الابتزاز المتبادل. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فالسياسة في بلداننا لم تعد صراعاً بين برامج تقدمية، بل تحولت إلى ما يشبه مكاتب دلالية لبيع الأوهام وتقسيط الخيبات!
نحن نعيش في مواسم «التكلس الحزبي»، حيث تحولت الكتل والتيارات إلى بيروقراطيات مغلقة تعاني من احتكار القرار. هذه الكتل لم تعد تُنتج فكراً، بل تحولت إلى دكاكين سياسية تدافع عن مصالحها الضيقة، وتخشى صعود الأجيال الشابة والتنويرية. والسياسي المتكلس عندنا كائن فريد من نوعه؛ تجده يرتدي أحدث بذلات الموضة العالمية، ويتحدث بأناقة لافتة عن دولة القانون في التلفزيون، لكنه في كواليس القرار يُدير المؤسسة بعقلية الاستحواذ والغنيمة. وكما يقول جلال عامر تهكماً: «السياسي يعامل الوطن كأنه سيارة أجرة؛ يركبها ليصل إلى مأربه، ويترك المواطن يدفع الحساب مع أجور الصيانة!»
ونتيجة لهذا التكلس، تراجعت قيمة «الاستجواب الرقابي» ليتحول من وسيلة دستورية لحماية الدولة والمال العام، إلى سيف مسلط للنكاية الكيدية. القوانين الحيوية التي تمس الشارع ومستقبل الشباب الخريجين، تُقبر في أدراج اللجان لمجرد النكاية بالطرف الآخر، بينما تمرر صفقات المحاصصة والامتيازات بلمح البصر، وتحت طائلة توافقات عابرة للمبادئ وشرف الخصومة. إن المفارقة تبدو صارخة بين أناقة المظهر الخارجي للعمل السياسي، وبين جوهره الذي بات يفتقر إلى الحد الأدنى من النُبل الفكري.
عندما يتخلى الأكاديمي والمثقف تحت القبة عن دوره الرسالي، ليتحول إلى مجرد رقم في مفرزة كيد حزبي، فإن الصدقية تتآكل، وتفقد المؤسسة التشريعية هيبتها في وجدان الشارع. إن حاجة المجتمع اليوم ليست إلى مزيد من الصراخ والمقاصات السياسية، بل إلى عودة الوعي بأخلاقيات العمل العام. فالخلل لا يكمن في جودة أثاث القاعات، بل في عقلية الإدارة؛ وحين تتحول السياسة إلى تجارة لتصفية الحسابات الكيدية، فإن النتيجة الحتمية في دفاتر التاريخ هي إفلاس الوعي.. وتراجع الوطن.