الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ضبابية المفاهيم

بواسطة azzaman

ضبابية المفاهيم

ياسر المتولي

 

واجه تشكيل الكابينة الوزارية انتقادات واسعة بسبب ضمّها، ولأول مرة في تاريخ الحكومات العراقية، شخصيات من القطاع الخاص.

ولعل هذه الانتقادات تعكس حقيقة أعمق تتمثل في ضبابية المفاهيم الاقتصادية والسياسية السائدة في البلاد.

فالعراق ما يزال يعيش تناقضًا واضحًا منذ عام 2003 وحتى لحظة كتابة هذا المقال، يتمثل بعدم وضوح المنهج الاقتصادي الذي ينبغي اعتماده، رغم أن الدستور العراقي أقرّ اقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر، أيًّا كانت التسمية.

إلا أن إدارة الدولة لا تزال تُدار بعقلية شمولية تتناقض مع هذا التوجه الدستوري.

وفي ظل هذا الالتباس، دعونا نلتفت إلى تجارب محيطنا العربي والإقليمي، دون الذهاب بعيدًا إلى التجارب العالمية، لنرى كيف حققت بعض الدول نجاحات كبيرة في إصلاح الأداء الحكومي والتنمية الاقتصادية.

ففي أغلب الدول التي تنتهج الاقتصاد الحر أو الرأسمالي، نجد أن من يتصدر قيادة الوزارات والمؤسسات هم في الأصل رجال أعمال ومن أبناء القطاع الخاص، وقد حققوا نجاحات جعلت بلدانهم نماذج يُحتذى بها في النمو والتطور، ودول الخليج مثال واضح على ذلك.

إن غالبية المسؤولين هناك يمتلكون شركاتهم ومصالحهم الخاصة، لكنهم يدركون مفهوم “عدم تضارب المصالح”، أي تقديم مصلحة أوطانهم على مصالحهم الشخصية، وعدم توظيف السلطة لخدمة شركاتهم، بل توظيف خبراتهم لإنجاح الدولة، وهو ما ينعكس في النهاية إيجابًا على الاقتصاد العام وعلى بيئة الأعمال أيضًا.

وعليه، فإن امتلاك المسؤول لشركات أو مشاريع خاصة لا يُعد سُبّة أو تهمة، بل قد يكون دليلًا على نجاحه وخبرته العملية التي يمكن أن تسهم في إدارة الدولة بكفاءة أعلى.

ومن هذا المنطلق، يمكن تقييم التجربة العراقية الحالية التي تمثل أول محاولة فعلية لإشراك رجال الأعمال في الكابينة الوزارية.

نتوقع — وقبل ذلك نتمنى — أن يتمكن هؤلاء، وفي مقدمتهم دولة رئيس الوزراء، باعتباره قادمًا من بيئة القطاع الخاص، من تغيير المعادلة والانتقال من المصالح الآنية الضيقة إلى المصالح العامة التي تعود بالنفع على الجميع، انطلاقًا من تحمّلهم شرف المسؤولية الوطنية لإنقاذ الاقتصاد العراقي من حالة الضعف والوهن.

كما أن وزارة الكهرباء، التي أُسندت إلى شخصية شابة من رواد الأعمال المتخصصين في هذا المجال، تمثل اختبارًا مهمًا لقدرة القطاع الخاص على تحقيق النجاح الإداري والفني وإثبات الكفاءة.

وأرى في هذه التجربة، التي ضمت عددًا من الشخصيات الشابة القادمة من القطاع الخاص، فرصة حقيقية أمام القطاع الخاص العراقي لإثبات قدرته على إدارة الملف الاقتصادي، وهو المطلب الذي ظل يطرحه منذ العام 2003 وحتى اليوم.

لذلك، فإن من الضروري منح هذه التجربة الوقت الكافي والفرصة العادلة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، ومراقبة نتائجها بعد مدة زمنية معقولة، لا تقل عن عام واحد، وعندها فقط يمكن إصدار تقييمات منصفة، وتفكيك حالة الضبابية في المفاهيم.

فالحياة تجارب، وقد انتظرنا طويلًا، فلنصبر قليلًا على ما تحمله الأيام القادمة من نتائج وتباشير.


مشاهدات 72
الكاتب ياسر المتولي
أضيف 2026/05/23 - 4:10 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 1:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 22923 الكلي 15868117
الوقت الآن
الأحد 2026/5/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير