الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجهل المركّب.. حين لا يرى الجاهل جهله

بواسطة azzaman

الجهل المركّب.. حين لا يرى الجاهل جهله

محمد الربيعي

 

في عالم مليء بالمعلومات، يظل الجهل حالة بشرية معقدة، لكن أخطر أنواعه ليس الجهل ذاته، بل الجهل بالجهل. هذا ما كشفه تأثير دانينغ-كروجر، الذي أظهر أن غير الأكفاء لا يفتقرون إلى المهارات فحسب، بل يفتقرون أيضاً إلى القدرة على إدراك افتقارهم لها. إنها مفارقة مؤلمة: المهارات اللازمة لتقييم الكفاءة هي نفسها المهارات المفقودة لدى غير الأكفاء.

قصة فلورنس فوستر جنكينز، المغنية التي ملأت قاعة كارنيجي بصوتها النشاز، ليست مجرد حكاية مسلية، بل مرآة تعكس واقعاً أعمق. كانت تؤمن بموهبتها إيماناً مطلقاً، رغم سخرية الجمهور ونقد النقاد. أما ماك آرثر ويلر، الذي اعتقد أن عصير الليمون يجعله غير مرئي لكاميرات المراقبة، فقد جسد بأغرب طريقة ممكنة هذه الظاهرة: شخص واثق جداً من فكرته الخاطئة لدرجة أنه لم يخطر بباله حتى أن يسأل أحداً عن رأيه.

يتساءل الفيلسوف ويليام باوندستون: هل نبالغ في القلق بشأن زيادة الجهل؟ وهل يمكن أن يكون القلق نفسه مبالغاً فيه؟ لكن قصة جنكينز وويلر ترياننا أن الجهل ليس مجرد غياب معرفة، بل هو حالة من الثقة الزائدة التي تجعل صاحبها محصناً ضد النقد والحقيقة. الجاهل لا يعرف أنه جاهل، وهذه هي الكارثة.

الأخطر أن هذا التأثير لا يقتصر على الأفراد العاديين. إنه يتسرب إلى أعلى مستويات السلطة والنفوذ. حين يفتقر «القائد» إلى البصيرة اللازمة لرؤية عيوبه، وحين تحيط به من الممكّنين  والمتملقين الذين يصدّقونه أو يخافون من معارضته، فإنه يصبح نسخة طبق الأصل من فلورنس جنكينز، بل أسوأ. هي كانت تؤذي آذان الحاضرين فقط، أما القائد الجاهل فقراراته قد تدمر مجتمعات.

بعد هذه الاستعراضات لقصة فلورنس وويلر وتأثير دانينغ-كروجر، لا يسعني إلا أن أواجه نفسي وقارئي بسؤال تهكمي لكنه جوهري:

كم في مجتمعنا، وخاصة بين صفوف القادة السياسيين والطبقة الحاكمة، من تنطبق عليه صفات فلورنس جنكينز وماك ويلر؟ السؤال ليس تهكماً محضاً، بل دعوة لمراجعة جادة. ربما يكون الجواب مخيفاً: هم كثيرون. لكن الخطر الأكبر ليس في كثرتهم، بل في أنهم غالباً لا يدركون جهلهم، ومن حولهم إما يخافون أو يستفيدون من استمرار هذا الجهل. وإذا كان الفيلسوف الشعبي يتساءل عما إذا كنا نبالغ في القلق، فإن السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل حين يصبح الجاهل الواثق من نفسه هو من يقود القرارات المصيرية لحياتنا؟

 

 

 


مشاهدات 64
الكاتب محمد الربيعي
أضيف 2026/05/23 - 4:02 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 2:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 173 الشهر 22974 الكلي 15868168
الوقت الآن
الأحد 2026/5/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير