الحيلة الشرعية في ممارسة الأحزاب الإسلامية
جبار فريح شريده
شكّل عام 2003 نقطة تحوّل كبرى في تاريخ العراق السياسي، إذ انتقلت الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية من موقع المعارضة والعمل السري إلى موقع السلطة وإدارة الدولة. ومع هذا التحول ظهرت إشكاليات عديدة تتعلق بالعلاقة بين الخطاب الديني والممارسة السياسية، وكان من أبرزها توظيف ما يُعرف بـ “الحيلة الشرعية” لتبرير مواقف وتحالفات وسياسات لم تكن منسجمة دائمًا مع الشعارات العقائدية التي رفعتها تلك الأحزاب قبل وصولها إلى الحكم.في الفقه الإسلامي، تُعرّف الحيلة الشرعية بأنها استخدام وسائل أو مخارج قانونية لتحقيق غاية معيّنة دون الاصطدام المباشر بالنصوص الشرعية. وقد اختلف الفقهاء حول مشروعيتها؛ فبعضهم عدّها وسيلة مشروعة لتخفيف الحرج وتحقيق المصلحة، بينما رأى آخرون أنها التفاف على الأحكام وإفراغ لها من مضمونها الأخلاقي. غير أن هذا المفهوم انتقل بعد 2003 من المجال الفقهي التقليدي إلى المجال السياسي، حيث استُخدم بصورة واسعة في تبرير التحولات البراغماتية للأحزاب الإسلامية العراقية.لقد رفعت الأحزاب الإسلامية العراقية، مثل حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتيار الصدري، شعارات دينية تدعو إلى العدالة ومحاربة الفساد وبناء دولة تقوم على القيم الإسلامية. إلا أن واقع الحكم بعد الاحتلال الأمريكي فرض معادلات سياسية معقدة دفعت هذه القوى إلى الدخول في تحالفات وتسويات لم تكن منسجمة مع خطابها العقائدي السابق. فالتعاون مع قوى علمانية أو قومية، أو حتى مع الولايات المتحدة التي كانت تُوصَف سابقًا بالقوة المحتلة، جرى تبريره باعتباره “ضرورة مرحلية” أو “مصلحة عليا” لحماية البلاد والطائفة والنظام السياسي الجديد.ومن أبرز صور الحيلة الشرعية السياسية اعتماد نظام المحاصصة الطائفية والقومية. فعلى الرغم من أن الخطاب الإسلامي التقليدي يؤكد مبدأ العدالة والكفاءة في تولي المناصب، فإن الأحزاب الإسلامية بررت المحاصصة بأنها وسيلة مؤقتة لتحقيق التوازن ومنع عودة الاستبداد. لكن هذا “المؤقت” تحوّل مع مرور الوقت إلى بنية ثابتة للنظام السياسي، وأسهم في تكريس الانقسام المجتمعي وإضعاف مؤسسات الدولة.
مسألة فساد
كذلك برزت الحيلة الشرعية في مسألة الفساد السياسي والإداري. فالكثير من الأحزاب الإسلامية دخلت الانتخابات بشعارات إصلاحية وأخلاقية، لكنها أصبحت جزءًا من منظومة اتُّهمت بالفساد وسوء الإدارة. وفي كثير من الأحيان جرى تبرير الاستمرار في المشاركة السياسية رغم الإخفاقات المتكررة بحجة “منع انهيار الدولة” أو “عدم تسليم السلطة للفاسدين”، وهو ما اعتبره خصوم هذه الأحزاب غطاءً شرعيًا للاستمرار في السلطة أكثر من كونه موقفًا إصلاحيًا حقيقيًا.كما استُخدمت الفتاوى والخطابات الدينية في حشد الجمهور انتخابيًا، حيث جرى ربط المشاركة السياسية أحيانًا بالواجب الشرعي أو الدفاع عن الهوية المذهبية. لكن بعد الانتخابات كانت تُعقد تسويات وتحالفات تتناقض مع الخطاب الانتخابي، ليُعاد تبرير ذلك بفقه “الممكن السياسي” أو “دفع الضرر الأكبر”. وهنا ظهر التناقض بين المثال الديني الذي رُفع في الخطاب، والواقع البراغماتي الذي فُرض في الممارسة.إن تجربة الأحزاب الإسلامية العراقية بعد 2003 تكشف عن انتقال واضح من “الأيديولوجيا العقائدية” إلى “البراغماتية السياسية”. فقد أصبحت مفاهيم مثل المصلحة والضرورة والتدرج أدوات أساسية في إدارة السلطة، وأحيانًا وسائل لتبرير التناقضات السياسية. وهذا ما أدى إلى تراجع ثقة قطاعات واسعة من المجتمع العراقي بالخطاب الإسلامي السياسي، خصوصًا بعد الاحتجاجات الشعبية التي شهدها العراق منذ عام 2019، والتي رفعت شعارات تنتقد الطبقة السياسية الدينية وتحمّلها مسؤولية الفساد وضعف الدولة. يمكن القول إن الحيلة الشرعية في التجربة السياسية العراقية بعد 2003 لم تعد مجرد مفهوم فقهي محدود، بل أصبحت آلية سياسية لتكييف الواقع وتبرير التحولات والمصالح. وبين من يراها ضرورة تفرضها تعقيدات الحكم، ومن يعدّها التفافًا على المبادئ الدينية والأخلاقية، تبقى هذه الظاهرة واحدة من أبرز سمات تجربة الإسلام السياسي العراقي في مرحلة ما بعد التغيير.