الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ميثولوجيا الحكومات العراقية

بواسطة azzaman

ميثولوجيا الحكومات العراقية

مجيد الكفائي

 

من يقرأ تاريخ العراق الحديث ويتأمل خطابات الحكومات المتعاقبة يلاحظ أن كثيراً منها لم يعتمد لغة الدولة الحديثة بقدر ما اعتمد على ميثولوجيا سياسية تشبه حكايات العصور القديمة حيث تُصنع الزعامات بصورة أسطورية وتُقدَّم الوعود بوصفها خلاصاً تاريخياً بينما يبقى الواقع بعيداً عن تلك الصور المرسومة في الخطب والشعارات.

فبدلاً من مخاطبة المواطن بلغة الأرقام والخطط والتنمية غالباً ما يُخاطَب بعاطفة جماهيرية تقوم على التخويف تارة وعلى صناعة الأمل المبالغ فيه تارة أخرى .

وكأن السياسة في العراق لم تتحول بعد إلى إدارة عقلانية للدولة بل ما زالت أسيرة خطاب تعبوي يقوم على تقديس الأشخاص وصناعة صورة «نصف الإله»  أو «الزعيم المُسدَّد من السماء» أو «الزعيم الذي لا يُقهر»  كما قرأنا في ملحمة كلكامش مع استدعاء دائم للماضي وخلق «بطولات» إعلامية لا تنعكس على حياة الناس اليومية .

قوى سياسية

إن العالم اليوم يُدار بالمعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا وقوة المؤسسات بينما ما زالت بعض القوى السياسية في العراق تحاول إدارة الدولة بعقلية الحشد النفسي لا بعقلية البناء الحقيقي .

فبدلاً من أن يُقاس نجاح الحكومة بقدرتها على تطوير التعليم وتحسين الاقتصاد وبناء البنية التحتية يُقاس أحياناً بحجم الخطابات وكثرة الشعارات والصور المرفوعة في الشوارع والهالة التي تُرسم حول بعض الشخصيات السياسية وكأنها فوق النقد والمحاسبة .

هذه الميثولوجيا السياسية خلقت فجوة كبيرة بين الدولة والمجتمع . فالمواطن الذي يعيش أزمة كهرباء أو بطالة أو ضعف خدمات لم يعد يبحث عن «البطل المنقذ» «او الرجل المبخوت « بل يبحث عن دولة تعمل .

يريد مؤسسات تحترم القانون وإدارة تفكر بعقل علمي وحكومة تتحدث بلغة الواقع لا بلغة الأساطير السياسية .

ولعل أخطر ما في هذا الخطاب أنه يعطل العقل النقدي لدى المجتمع ويحوّل السياسة من مساحة للمحاسبة إلى مساحة للتصفيق والانقسام .

فحين تُبنى الشرعية على الرمزية العاطفية لا على الإنجاز يصبح الفشل قابلاً للتبرير دائماً وتتحول الأزمات إلى قدر دائم لا إلى أخطاء يمكن إصلاحها .

وهنا يتحول المواطن من شريك في بناء الدولة إلى مجرد متلق للخطابات بينما تبقى المشكلات الحقيقية مؤجلة عاماً بعد آخر.

دولة حديثة

إن العراق لا يحتاج اليوم إلى إعادة إنتاج الأساطير السياسية بل إلى الانتقال نحو مفهوم الدولة الحديثة الدولة تقوم على الكفاءة لا الولاء وعلى المؤسسات لا الأشخاص وعلى التخطيط لا على البخت والشارة .

فالأمم لا تتقدم عبر صناعة الرموز فقط بل عبر بناء أنظمة قادرة على الاستمرار حتى مع غياب الأفراد لأن قوة الدولة الحقيقية تُقاس بصلابة مؤسساتها لا بقوة صورة الحاكم في الإعلام .لقد تغير العالم كثـــــــــيراً وأصبح الإنسان أكثر وعياً وقدرة على الوصــــــــــــــــول إلى المـــــــــــــعرفة ولم يعد ممكناً إقناع الشعوب بالشعارات نفسها التي كانت تنجح قبل عقود  . فالعقل البشري اليوم يقارن ويحلل ويراقب والمواطن لم يعد يكتفي بالكلمات الرنانة ما لم يرَ أثراً حقيقياً في حياته ومستقبله.

ولهذا فإن مستقبل العراق لن يُبنى بخطابات تستحضر الماضي وانه محفوظ ببخت القادة بقدر ما يُبنى بعقول تؤمن بالمستقبل .

فالدولة الحديثة لا تُدار بالميثولوجيا بل بالعلم والعدالة والإدارة الرشيدة واحترام الإنسان بوصفه مواطناً لا تابعاً في رواية سياسية طويلة اعتادت أن تُنتج الزعماء أكثر مما تُنتج الأوطان .

 

 


مشاهدات 60
الكاتب مجيد الكفائي
أضيف 2026/05/23 - 3:50 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 2:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 173 الشهر 22974 الكلي 15868168
الوقت الآن
الأحد 2026/5/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير