الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السعي   للأفضل.. نص القاص نهار حسب الله


السعي   للأفضل.. نص القاص نهار حسب الله

جاسم عاصي

 

فن كتابة القصة القصيرة جداً ،عريق في الثقافة الإنسانية ،إذ لم يقتصر على ( ناتالي ساروت ) في ( انفعالات ) فحسب ،بل سبقها وأعقبها نشاط لا حق4إذا ما نظرنا إليه من جانب تطور الكتابة في الجنس والمحولات للتحول في نمط الكتابة . فقد برع فيه كتاب عرب مثل ( زكريا تامر ، محمد عيتاني ، محمود شقير ) ويعتبر شقير من المجددين في ذلك ،فقد نقل النص إلى عوالم واسعة ،واستحدث أنماط من التركيز والقِصَر والكثافة في المبنى ،بينما حفلت قصص ( تامر والعيتاني ) بالسخرية اللاذعة والنقد الاجتماعي، مقتربة من فن الكار كتير ،وقد لاحظنا ذلك في كتابات ( شمران الياسري ) أما من الكتّاب العراقيين الذين اجترحوا في هذا الضرب من الكتابة مساراً جديداً ، تميّز بالأسلوب واللغة والمعنى وهم ( إبراهيم أحمد ،خالد حبيب الراوي ، هيثم بهنام بردى ، جليل القيسي ، محسن الخفاجي ، أحمد خلف ، فرج ياسين ، جمال نوري ، حنون مجيد حسب الله يحيى) وغيرهم .

لا يختلف المرء مع الآخرين ،في كون القصة القصيرة جدا ً ؛ هي جنس أدبي يميل إلى الاختزال والتكثيف . ومن هاتين الصفتين يمكننا القول : إنه كفن وكمنتج يخضع للموهبة أساسا ً ،وبالتالي يساير وينتظم عـلى وفق الخاصية الذاتية للمنتِج . بمعـنى أن إنتاج هذا النوع من الأجناس الأدبية يخضع إلى الكيفية التي يتعـامل بها كل قاص مع الموضوعة القصصية  ،وبالتالي يرتبط هذا بمستوى المعـرفة النظرية المحكومة  بالحس الداخلي ، ورؤى القاص للظواهر والعـلاقات الاجتماعية .

والقاص(نهار حسب الله) بدأ مثابراً لنوعه الأدبي هذا. فقد اجترح له مجالاً في تأريخ هذا النوع من خلال تركيزه على إنتاج نصوص متقدمة ومشكله لهرم ينحو إلى التصعيد عبر مجموعة طيبة من الإصدارات ،تخلل صدورها نمط التحول في الكتابة فناً وفكراً وانفتاحاً على مجالات الحياة اليومية .أي أنه يوسّع من دائرة اهتماماته .وهذا التحول في الكتابة دال على تجدد النمط الفكري ،مما يدفع إلى تنوع الرؤى المستندة على بنية فكرية تعتمد جدلية الصراع وطبيعته ونتائجه .

في مجموعاته القصصية الكثيرة والمعتمدة على اتساع الرؤية التي تُجدد مجالات النصوص .فقد حاول أ، يُعطي لكل مجموعة ما يضعها ضمن دائرة الاختيار الحر ،والنظرة المتطورة  عبر حساسية الكتابة ونمطها ،فهو يثابر على مغادرة ولو نسبياً عن نمط الكتابة .وهي خاصية ذاتية تستشرف .لذا يمكن القول أنه ككاتب سرد يتناول موضوعات غير موطوءة في الكتابة ،مما يُحقق رؤى وأسلوب متناسب مع معارف الكاتب .

في مجموعته(ثورة عقارب الساعة) ،حيث يكون الاستهلال (بداية) بمجموعة من الرؤى ،سواء للجنس أو ما يهم مشغولياته .فعبارة ( الهموم المتراكمة) إشارة إلى المعاناة في الكتابة من جهة ،وخاصية العيش والكتابة من جهة أُخرى .أما مفردة (الظلم) فهي دليل على رؤيته لما يجري اجتماعياً .الذي لا يخلّف إلا( الانفعالات والابتسامات) وواضح هذا بما يحمله من معنى .فهو يجمع بين الانفعال والسخرية والنقد .لذا تكون الصور التي يطرحها تتميز بالصور (المليئة بالفجيعة والدمار) وبهذا نتهيأ إلى ما سوف يطرحه الكاتب في نصوصه القصيرة جداً.

طروحات مهمة وجريئة /

يعمد كما ذكرنا التنوع والانفتاح على الحياة اليومية ليستخرج الدروس التي هي مهمة ووظيفة الكتابة . ومنها :

ــ  خاصية (الكراهية  والتعاون) كصفتين اجتماعيتين اللائي يضعهما القاص موضع الاستحالة الحدوث بعبارة(لم أُشاهد من يعمل بهذه الصفات  في عهدنا، فالكل يعمل بالحقد والكراهية ).

ــ  سؤال يخص الخطأ الفادح الذي يعمل على تسيير الواقع من خلال سؤال مرير (كيف وصلت إلى هذا المنصب ؟) ويقصد التأهيل العلمي والوظيفي .حيث تكون الإجابة (أنا خريج      هذا الزمان وابنه الشرعي ،هل لديك اعتراض ؟) .مثل هذا الطرح دال على جرأة في التعبير عن الموقف. ؟

ــ للتعبير عن خطل الواقع وما ينتجه من ظواهر .فوسط  ظاهرة جوع  الرجل وعجزه عن سد حاجة أطفاله في تذوق اللحم ،الغذاء الحلم .حيق يجرأ على القول لتحقيق حلمه الملح كي يطعم أطفاله فيقرر( ذبح واحداً منهم ) وهي مأساة المعاناة  استحالة الحدث ،لكنه خاطر يعكس ويكشف  بشاعة الواقع .

ــ  التأكيد والإصرار على المواقف المبدئية التي وجد الأطباء عجزهم عن تشخيصها وهي(الوطنية واحترتم المبادئ وسط واقع جائر يصادر المختلف . أرى أن هذا الموقف وغيره والذي طُرح في السرديات القصيرة ،دال على تمسك  النموذج  بالمبادئ . 

ــ ويتواصل في طرح المحذور كما في نص(لأنني مسؤول) ،وذلك بالكشف عن باطل الادعاء بالوطنية .وترك المستور يتحدث ويفعل  ليس لصالح الأخر ،بل لسد نهم جوع الامتلاك والحيازة

ــ في نصي(برلمان الخرسان/برلمان صناعة الموت ) ،حيث يطرح موقفه الوطني بكل جرأة وانكشاف واضح .بمعنى يخلق خطاباً مكشوفاً بوجه صنّاع الموت وفكرة مصادرة حرية الآخر ،واسكات صوت الوطنية .إن الخرافة تؤدي بالإنسان إلى دهاليز الغموض والتيه ,هكذا يكون فحوى خطاب القاص من خلال قصصه القصيرة جداً  .لذا تكون مواقفه منطلقة من الإيمان العميق بالمنهج الذي حدد خطواته .إذ يتضح من خلال النصوص ،أن القاص يتميز بفهم عميق للمبادئ التي لا تُهادن .

في نص (الساعات) الذي يتكون من مجموعة نصوص قصيرة ،تعالج الزمن بكل صفاته ومعطياته ،مكلل بسرد جريء  ومحكم .إن توزع النصوص على أزمنة متعددة ،يعني عند الكاتب رصد طبيعة مجريات الحياة في أزمنة لا تعني سوى الرداءة والخروج عن المنطق الإنساني ولنتابع هذا:

 

ــ في النص الأول ،يبدو أ، الشيخ يرغب بشدة إلى أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء ،لتُعيد له ذكرياته الجميلة مع الزوجة والابن .هذه لعودة المعاكسة التي طلبها الشيخ من مصلح الساعات ،تعني الكثير الذي يوجه نقده للواقع المرّ الذي وضعه ضمن زمن ضيّق وظالم .

ــ القصة الثالثة تحاول أنسنه الأشياء كالساعة التي وضعها موضع الإحساس بالضجر مقابل صاحب البيت التذ ارتبط بالمضي ،بنما الساعة تستقبل الزمن .هذه الثيمة دالة مع قريناتها على مستوى التخييل السردي وسعة فضاء ذهن القاص الشاب.

ــ حوار بين الساعة وصحبة البيت ،التي وجدت في الساعة تأخير في الوقت ،مما دفعها للسؤال حيث أجابت الساعة بروح الناقد البشري من آلة تعرف الزمن وسيره (إسألي نفسك .. لماذا تأخرت عن تطور البشرية.. لماذا لا تقومون الضعف والتخلف ).هذا الصوت الاحتجاجي ينم عن موقف مبدئي صارم وواعي مقاب تصورات البشر الغارقون في الغيّ.

ــ نص يدل على قوة وفضاء المتخيّل من قبل عقرب الساعة الذي لا ينطق سوى بالحقائق .

ــ تحويل صيغة الإخلاص بالعمل من البنية الاجتماعية إلى بنية العلاقات بين عناصر الساعة(الثواني والدقائق والساعات .مؤكداً مسعى الكاتب فب كل ما يكتب لتوسيع أُفق مخيلته المنضبطة في تأكيد الحقائق الاجتماعية والعلاقات الإنسانية .هذا العدد من النصوص       القصيرة جداً استوفى الكاتب مهمته الفنية والموضوعية الرامية إلى الاقتراب من الواقع ،خاصّة الرديء منه .

ــ حوار قاسي بين الزوجة الخائنة والزوج الميت .كشف النص عن قسوة الزوجة في وضع السم للزوج ،وقتل أطفالها بنفس الطريقة لتتزوج رجلاً آخر .يبدو أن الموضوع عادي ،لكن الذي هو غير عادي فيه هو النبرة التي جاءت بها لغة القاص في كشف الذات المريضة وبشاعة الفعل الذي يؤذي الآخر .

ــ يبدو لي أن الكاتب يراعي مبدأ تصاعد مستوى التخييل وتوظيف الحكاية في النص .فنص قصيرة عمل من خلاله على احتواء الحكاية النابعة عن خيال صاعد .هذا الخيال وظفه لصناعة حكاية محكمة أطفأ بها حرب بين قبيلتين .إن النص عبارة عن صاغة جديدة للحكاية .

ــ حاول القاص في نص له أن يعكس بشاعة الإرهاب من باب حبه وممارسته فن الموسيقى .لغة شفافة غي معلنه للصوت والنبرة لصاعدة برفض ،بل أن وظيفتها كانت بشفافية لغة الموسيقى .

إن رصدنا لمجموعة من القصص في الكتاب القصصي ،لا يعني أنها فقط ما احتوى على خصائص موضوعية وفنية ،بل اننا توقفنا على مجموعة من القصص التي تؤشر الخصائص المفتوحة لنصوص (نهار) المتميزةبالرهافة وقوة المبدأ الذي اعتمده سواء كان فنياً أو موضوعياً .إنه قاص شديد الحساسية إزاء ما يجري في الواقع مقابل حسه الفكري والثقافي وفهمه لرسالة السرد .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر /

ــ  عباس محسن خاوي /تقنيات السرد في القصة القصيرة جداً /دار السرد ــ بغداد     دار سندباد للنشر والاعلام 2.24

ــ ثورة عقارب الساعة /قصص /دار سندباد للنشر والاعلام  2.11

 

 


مشاهدات 69
الكاتب جاسم عاصي
أضيف 2026/05/13 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/05/14 - 3:28 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 576 الشهر 13280 الكلي 15258474
الوقت الآن
الخميس 2026/5/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير