الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عالم حسب اللـه يحيى.. سرديّة الإنسان العراقي في بيت الهموم

بواسطة azzaman

عالم حسب اللـه يحيى.. سرديّة الإنسان العراقي في بيت الهموم

ياس خضير البياتي

 

تشكل مجموعة “بيت الهموم” للقاص والروائي العراقي حسب الله يحيى تجربة سردية مهمة في القصة العراقية المعاصرة، لأنها تنحاز بوضوح إلى الإنسان العادي وهمومه اليومية. فالعالم الذي يقدمه الكاتب ليس عالماً بطولياً أو استثنائياً، بل فضاء إنسانياً تتجاور فيه الذكريات والخيبات والأحلام الصغيرة التي تصوغ الحياة في تفاصيلها الدقيقة. ومنذ الصفحات الأولى يكتشف القارئ أنه أمام نصوص لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تسعى إلى استنطاق الهم الإنساني بوصفه تجربة مشتركة بين الكاتب والمتلقي، حيث تتحول التفاصيل البسيطة إلى أسئلة كبرى عن الحياة والذاكرة والإنسان.

مدخل المجموعة وأفق التلقي

تفتتح المجموعة بإهداء لافت: “إلى من لا سجن لهم”، وهو إهداء يفتح الباب أمام قراءات متعددة، إذ يلمح إلى مفارقة إنسانية عميقة مفادها أن الإنسان قد يعيش في سجن غير مرئي من الهموم والذكريات والقيود الاجتماعية. ويعزز هذا المعنى اقتباسان يضعهما الكاتب في صدر المجموعة؛ أحدهما للفيلسوف الفرنسي موريس بلانشو يقول فيه: “ما من داعٍ للسجن؛ فنحن نعلم أننا فيه فعلاً”، والآخر للشاعر والروائي العراقي فاضل العزاوي في تأمله حول الأحجار التي جرفها الطوفان والأطفال الذين لم يسمع أحد صراخهم في الزنزانات.

هذه البداية تمنح القارئ ما يمكن تسميته بـ “أفق التوقع”، إذ يدرك منذ اللحظة الأولى أنه مقبل على نصوص تحاور فكرة الهم والاختناق الإنساني في سياق اجتماعي وثقافي واسع. فالقارئ هنا لا يتلقى النصوص بوصفها حكايات مكتملة، بل يدخل في علاقة تفاعلية مع النص، يملأ فيها الفراغات الدلالية مستعيناً بخبراته وتجربته الإنسانية.

البناء الدرامي: من السكون إلى التوتر

يتميز البناء السردي في قصص حسب الله يحيى بانتقاله من حالة سكون ظاهري إلى توتر درامي يتكشف تدريجياً. فالكاتب يبدأ غالباً بمشهد بسيط أو لحظة يومية عادية، لكن هذه اللحظة تتحول مع تقدم السرد إلى لحظة كاشفة تكشف عن أزمة إنسانية أو اجتماعية عميقة.

يتجلى هذا الأسلوب بوضوح في قصة “عالم السيدة الوحيدة”، حيث نلتقي بالسيدة مريم التي تعيش في بيت قديم تحيط به حديقة صغيرة. تبدو الحديقة في البداية مجرد فضاء طبيعي هادئ، لكنها سرعان ما تتحول إلى رمز لعالم الشخصية الداخلي وذاكرتها الحميمة. فالأشجار والعصافير والزهور ليست مجرد عناصر وصفية، بل تشكل عالمها الخاص الذي يحفظ ذكرياتها مع زوجها الراحل. وعندما يتدخل الجيران ويقطعون “الشجرة الجهنمية”، يتحول الحدث إلى لحظة رمزية مؤلمة، إذ لا يتم قطع شجرة فحسب، بل يُنتهك عالم كامل من الذكريــــــات.

وفي قصة “عفونة امرأة سعيدة” يسلط الكاتب الضوء على الصراع العائلي الذي قد ينشأ حول الإرث. تبدأ القصة بصورة زوجية تبدو مستقرة، لكن دخول الأخ نعيم إلى المشهد يفتح باب الطمع والتنافس، فتتحول العلاقة العائلية إلى ساحة صراع بين القيم الإنسانية والمصالح المادية. ومن خلال هذا التحول يرسم الكاتب صورة نقدية لتحولات المجتمع حين تتراجع قيم التضامن لصالح حسابات الربح والخسارة.

أما قصة “شجرة ذابلة، وردة عطرة” فتعالج ثنائية الزمن عبر المقابلة بين شخصيتي صفاء ونور. فالأولى تمثل حكمة العمر وتجارب السنين، بينما تجسد الثانية حيوية الشباب وأحلامه. غير أن الكاتب لا يقدم العلاقة بينهما بوصفها صراعاً بين جيلين، بل بوصفها حواراً بين زمنين مختلفين، حيث تتقاطع الخبرة مع الحلم في محاولة لفهم معنى الحياة.

شخصيات الهامش والتحولات الاجتماعية

لا يقتصر عالم “بيت الهموم” على هذه الشخصيات، بل يمتد ليشمل نماذج إنسانية عديدة تعيش على هامش الحياة الاجتماعية. فنجد المدرس الذي يُنقل إلى قرية كردية بعيدة في قصة “الدرس الأول” فيجد نفسه أمام حاجز اللغة واختلاف الثقافة، كما نلتقي بالأم الثكلى التي تبحث عن ابنها في الحافلات والطرقات، وبالرجل العجوز الذي يخرج من عزلته ليكتشف أن العالم قد تغير من حوله.

هذه الشخصيات تبدو في ظاهرها ضعيفة أو مهمشة، لكنها تحمل في داخلها حساسية إنسانية عميقة تجعلها شاهداً على تحولات المجتمع. ومن خلال هذه الشخصيات يرصد الكاتب التغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع العراقي، خاصة في ظل الحروب والأزمات التي تركت آثارها في حياة الأفراد.

اللغة والرمز في السرد

من السمات البارزة في قصص حسب الله يحيى لغته السردية الشاعرية. فاللغة لديه لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تسعى إلى خلق صور رمزية تضيف للنص بعداً جمالياً ودلالياً. عناصر الطبيعة – مثل الأشجار والحدائق والطيور – تتحول في كثير من الأحيان إلى رموز تعكس الحالة النفسية للشخصيات.

فالحديقة في كثير من القصص ليست مجرد مكان، بل فضاء للحرية والطمأنينة وذاكرة للحياة الماضية. وعندما تتعرض هذه الحديقة للضياع أو الإهمال، فإن ذلك يعكس فقدان الأمان الشخصي أو تآكل العالم الداخلي للشخصيات.

كما يعتمد الكاتب أحياناً على المونولوج الداخلي، حيث تتحدث الشخصيات مع نفسها وتكشف عن هواجسها وأسئلتها العميقة. هذه التقنية تمنح النصوص عمقاً نفسياً واضحاً، وتتيح للقارئ فرصة الدخول إلى العالم الداخلي للشخصيات.

البيت كذاكرة والحديقة كحرية

لا يظهر المكان في قصص المجموعة بوصفه خلفية محايدة للأحداث، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل المعنى. فالبيت يمثل غالباً ملاذاً للذاكرة ومخزناً للتجارب الإنسانية، بينما تتحول الحديقة إلى رمز للحرية الشخصية والطمأنينة.

في المقابل، تبدو المؤسسات الرسمية – كالدوائر الحكومية أو المدارس – أماكن يشعر فيها الإنسان بالغربة، خاصة عندما يتقدم به العمر ويجد نفسه خارج دائرة الفعل الاجتماعي. وبهذا المعنى يصبح المكان في قصص حسب الله يحيى جزءاً من التجربة النفسية للشخصيات، لا مجرد إطار خارجي للأحداث.

خلاصة التجربة

في النهاية، يمكن القول إن “بيت الهموم” ليست مجرد مجموعة قصصية عن الحزن أو الوحدة، بل هي محاولة فنية لفهم الإنسان في مواجهة تحولات الحياة. فالهموم التي يسكنها هذا “البيت” ليست هموم شخصيات القصص وحدها، بل هي أيضاً هموم القارئ الذي يجد نفسه في مرآة هذه النصوص.

بهذا المعنى ينجح حسب الله يحيى في بناء عالم سردي إنساني يجعل من التفاصيل اليومية مادة للتأمل، ومن الهموم الفردية تجربة إنسانية عامة. وهنا تكمن قوة هذه المجموعة، إذ تؤكد أن الأدب ليس مجرد حكاية تُروى، بل هو وسيلة لفهم الحياة والإنصات إلى أسئلتها العميقة

 


مشاهدات 103
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/03/31 - 11:28 PM
آخر تحديث 2026/04/01 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 100 الكلي 15218173
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير