الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحبرُ والدَّمعُ

بواسطة azzaman

الحبرُ والدَّمعُ

حيدر عبد الرحمن الربيعي

 

حينَ يكتبُ الإنسانُ حقًّا، لا يكتبُ بالحبرِ وحده، بل بشيءٍ يخرجُ من أعماقهِ كما يخرجُ الدعاءُ من قلبِ الغريق.

هناكَ كلماتٌ تُصاغُ بالعقل، وأخرى تُولَدُ من ارتعاشةِ الروح.

وما بينَ الحبرِ والدَّمع، وُلِدَ الأدبُ الحقيقيُّ، لأنَّ الكتابةَ التي لا تمرُّ بالقلبِ، لا تصلُ إلى القلوب.

الحبرُ أثرُ الفكر، أمّا الدمعُ فأثرُ الحقيقة.

وحينَ يلتقي الاثنان، يصبحُ النصُّ مرآةً للإنسانِ في ضعفهِ، وحنينهِ، وخوفهِ، واشتياقهِ إلى المعنى.

يقولُ اللهُ تعالى

﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾

كأنَّ البكاءَ هنا ليسَ ضعفًا، بل معرفة.

فالروحُ حينَ ترى شيئًا من النور، لا تجدُ أصدقَ من الدمعِ لغةً.

وساتناول الموضوع من عدة محاور لايضاحه وكالتالي:

المحورُ الأول:

الحبرُ بوصفهِ أثرًا للروح.

ليستِ الكتابةُ جمعَ كلمات، بل محاولةُ إنقاذٍ داخلية.

الكاتبُ الحقيقيُّ لا يكتبُ لأنهُ يعرف، بل لأنهُ يتألّم.

ولهذا كانتْ أعظمُ النصوصِ هي تلكَ التي خرجتْ من جرحٍ أو فقدٍ أو سؤال.

قالَ أبو حيان التوحيدي

"إنّي لأعجبُ ممن يكتبُ ولا يسكبُ نفسَهُ في كتابته."

وكأنَّ الحبرَ لا يضيءُ إلا إذا اغتسلَ بالوجع.

أما غاستون باشلار فكانَ يرى أنَّ الصورةَ الشعريةَ لا تُولدُ من البلاغةِ وحدها، بل من اهتزازِ الداخل، من اللحظةِ التي تتحوّلُ فيها الذكرى إلى نارٍ صامتة.

ولهذا لا تبقى النصوصُ المزخرفةُ طويلًا، بينما تعيشُ الكلماتُ الصادقةُ ولو كانتْ بسيطة.

وكانَ الراحلُ عبدُ الرحمنِ مجيدٌ الربيعيُّ يرى أنَّ الكتابةَ ليستْ استعراضًا بل كشفًا للإنسانِ من الداخل، لذلكَ ظلَّتْ شخصياتُهُ الروائيةُ تمشي وهي تحملُ تعبَ العراقِ ودمعتَهُ المخفية.

المحورُ الثاني:

الدمعُ بوصفهِ لغةً خفيّة.

البعضُ يظنُّ أنَّ الدمعَ انهيار، لكنهُ أحيانًا أرقى أشكالِ الإدراك.

فالإنسانُ لا يبكي دائمًا لأنهُ ضعيف، بل لأنهُ رأى ما لا تستطيعُ اللغةُ حملَه.

يقولُ الإمامُ عليٌّ عليهِ السلام

"ما جفَّتِ الدموعُ إلا لقسوةِ القلوب."

فالدمعُ هنا ليسَ ماءً، بل علامةُ حياةٍ داخلية.

وتقولُ سيمون فايل

"الألمُ الحقيقيُّ لا يُحطّمُ الإنسانَ دائمًا، بل يكشفُ لهُ أعماقَه."

وكأنَّ الوجعَ بابٌ للرؤية، لا للعتمة فقط.

أما إميل سيوران فكانَ يرى أنَّ الدموعَ هي اللغةُ الأخيرةُ حينَ تعجزُ الفلسفةُ عن تفسيرِ الحياة.

حتى الأنبياءُ بكوا.

يعقوبُ عليهِ السلامُ ابيضَّتْ عيناهُ من الحزن، ولم يكنْ ذلكَ اعتراضًا على القدر، بل وفاءً للحب.

فالروحُ النبيلةُ لا تخجلُ من دمعتها، لأنها تعرفُ أنَّ القلوبَ اليابسةَ لا تُثمر.

المحورُ الثالث:

بينَ الحبرِ والدَّمع يولدُ الإنسان.

هناكَ من يكتبُ ليُقنع، وهناكَ من يكتبُ لينجو.

والفرقُ بينهما كالفرقِ بينَ خطبةٍ ونبض.

حينَ يمتزجُ الحبرُ بالدَّمع، تتحوّلُ الكتابةُ إلى صلاة.

لا تعودُ الكلماتُ حروفًا، بل آثارَ روحٍ مرّتْ من هنا.

يقولُ هرمان هيسه

"بعضُ البشرِ يكتبونَ لأنَّ أرواحهم لا تجدُ طريقةً أخرى للكلام."

ولهذا تبدو بعضُ النصوصِ وكأنها اعترافاتٌ سرّيةٌ للروح.

ويقولُ أنسي الحاج

"الكلماتُ الحقيقيةُ لا تُكتب… بل تُنزَف."

وكذلكَ الكلماتُ الخارجةُ من الروح

قد لا تُحدثُ ضجيجًا، لكنها تبقى طويلًا في الداخل.

وفي الخاتمة اقول ربما لهذا السبب، لا يزالُ الإنسانُ يكتبُ رغمَ الخراب.

لأنَّ الحبرَ محاولةٌ لفهمِ العالم، بينما الدمعُ محاولةٌ لاحتماله.

وكلُّ نصٍّ لا يحملُ شيئًا من وجعِ صاحبهِ، يبقى باردًا مهما كانَ جميلًا.

أما الكلماتُ التي مرَّتْ عبرَ القلب، فإنها تبقى حيّةً حتى بعدَ أن يغيبَ أصحابُها.

فالكتابةُ الحقيقيةُ ليستْ مهنةً فقط، بل قدر.

والكاتبُ ليسَ من يُتقنُ اللغةَ وحدها، بل من يستطيعُ أن يُحوّلَ دمعتهُ إلى نور… وحبرهِ إلى أثرٍ لا يزول.


مشاهدات 64
الكاتب حيدر عبد الرحمن الربيعي
أضيف 2026/05/11 - 1:31 PM
آخر تحديث 2026/05/12 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 10694 الكلي 15255888
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير