بلاد ما بين النسيانين
احمد فاتح محمد
منذ فجر الزمان والتاريخ، يُقال إن الإنسان هو أسمى المخلوقات وأكرمها. هذا ما أوردته أمهات الكتب في عصورٍ لم يكن فيها ما يُسمّى اليوم العراق الحديث. وهي مُسلّمة حُرّفت تحت جنح الظلام، وبصمت، من دون سابق إنذار أو تعويض، حتى أصبحت فكرةً مثيرةً للتندر.
لا أقول إن الإنسان في العراق ليس ذا قيمة، بل أقول إنه عبارة عن “مناسبة”؛ مناسبة لإلقاء الخطب والتعازي. فالإنسان، بكينونته، كائنٌ منسيّ، لا يتذكرونه إلا كل أربع سنوات مع الدورة الانتخابية، تماماً كما يخطر على بال الزعماء، وكما يتذكر الإنسان شمسيته عند المطر.
الغريب في الأمر هو شكوى الإنسان العراقي من شحّة الخدمات، ورداءة الطرق، وانقطاع الكهرباء، وتخلّف الصحة والتعليم، بدلاً من الشكوى من سلبه قيمته على مرّ السنوات. وهذا ما يدلّ على عمق الأزمة وفظاعتها: حين يُصرّ المظلوم على المطالبة بالقشور، ناسياً أنّه كان يملك الشجرة يوماً ما.
يتعلّم في المدرسة أنّه “مواطن”، بينما تلقّنه الحياة درسها وتقول له إنّه مجرّد “رقم”. ثم يلتقي التلقينان على حافة الطريق ليتأكدا أنّه لا هذا ولا ذاك، بل إنّه شاهدٌ على عصره ليس إلا؛ يصفّق عندما يُطلب منه التصفيق، ويجنح إلى الصمت والسكوت عندما يُطلب منه ذلك
قرأتُ ذات يوم أنّ الدول المتقدمة تقيس مدى نجاحها بمستوى رفاهية مواطنيها. لدي يقين بأن المعيار في العراق غير ذلك، وإن سألتني عنه فلن أفلح في إعطائك جواباً وافياً ولكن رغم ذلك يُهتمّ به كثيراً ويُعتبر إنجازاً لا يُشقّ له غبار.
في العراق يجوب الإنسان الشوارع وهو يعلم أنها ليست ملكاً له، وما هو إلا عابر سبيل كسائر الناس، بل هي برزخٌ بين هوّتين. يبني الإنسان بيته هنا تحت سماءٍ غابرة، وأرضٍ تكتظ بوعودٍ لم تتحقق. يعلم جيداً أن حبال فواتير الكهرباء، التي تُدفع بالأقساط، تلتف حول رقبته، وفي النهار يرسل ابنه إلى المدرسة ليتلقى عرض التعليم واليأس معاً وبنفس التكلفة
لأقولها بصورة أدق: هنا لا أحد يقول إنه يكره الإنسان؛ لا، بل على العكس، السياسي يعشقه في خطبه، ورجال الدين يغمرونه حبّاً في مواعظهم، والمسؤول يواصل الليل بالنهار “خدمةً له” في تقاريره. الإنسان العراقي محبوب من الجميع، حبّاً جمّاً شريطة ألا يكلّف أحداً منهم شيئاً.
في النهاية يقف الإنسان العراقي أمام مرآة التاريخ مذهولًا، وهو يرى حضارةً تمتد لسبعة آلاف سنة من سومر وبابل وسائر حضارات ميزوبوتاميا العريقة. عندها تتملّكه نشوةٌ مملوءة بالفخر والكبرياء، ثم لا يلبث طويلًا حتى يصحو من غفلته، فيرى الواقع، وتداهمه صدمةٌ من هوله. لتستمر حياته بين سُكرتين غريبتين، ويموت بينهما. وهكذا تتداول الأيام، وتُساق الأحداث كما ينبغي أن تُساق، بانتظامٍ هارموني يخلو من أي ضوضاء.
لا أكتب كل ما كتبته تعبيراً عن اليأس، بل ايماناً بأن اليأس يجب أن يُقابل بكلماتٍ كهذه وهندامٍ لائق.