الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف نقرأ الدرس البريطاني الأخير في العراق؟

بواسطة azzaman

كيف نقرأ الدرس البريطاني الأخير في العراق؟

نديم الجابري

 

عندما تخفق الحكومة البريطانية في تحقيق الهدف أو تتلكأ فيه مع القطب الأوحد في النظام الدولي الجديد، يبدأ دور الرعوية الحكيمة ( الملك ) المرسومة دستوريا في معالجة الخلل . فملك بريطانيا بدى في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة كرجل الحكمة و الكياسة و الاتيكيت من أجل الحد من لغة التعالي الأمريكية على بريطانيا بدون التصادم معها . إذ انه لقن الأمريكان دروساً في السياسة و الاتيكيت و الخطاب السياسي و البرستيج و اصول العمل في العلاقات الدولية، بالمقدار الذي حفظ مصالح بريطانيا العليا عن طريق ترميم العلاقة المميزة بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بلباقة وذكاء ملحوظ واحتراف سياسي رفيع المستوى.

مادة غنية

إن زيارة ملك بريطانيا وما صاحبها من تصريحات، تُعد مادة غنية للتحليل في ميدان العلوم السياسية، خصوصاً في مجالات العلاقات الدولية و الخطاب السياسي والنظم الدستورية. و من زاوية عراقية صرفه ،يمكن استخلاص الدروس الآتية منها:

1. إن الزيارة كشفت عن قوة “الدبلوماسية الرمزية” التي يمارسها الملك في النظام البريطاني. إذ  انه لا يمارس سلطة تنفيذية مباشرة، انما يمثل الدولة ورمزها التاريخي. لذلك، فإن أي تصريح أو زيارة يحمل وزنًا سياسيًا غير مباشر. وهذا يعكس مفهوم “القوة الناعمة” حيث تُستخدم الرموز، والتاريخ، والهيبة لتعزيز النفوذ دون أدوات قسرية.

2. كشفت الزيارة عن ضرورة الفصل بين السلطة التنفيذية والرعوية الحكيمة في النموذج البريطاني. حيث بينت نتائج الزيارة كيف يمكن الفصل بين من “يحكم” ومن “يرعى”. الحكومة تتخذ القرارات، بينما الملك يضفي الشرعية والاستمرارية عليها. هذا النهج يقدم درسًا في استقرار الأنظمة الدستورية، حيث يقلّ تأثير التغيرات السياسية على صورة الدولة الخارجية.

3. أضف الى ذلك، ان زيارات الملك البريطاني وتصريحاته تؤدي دورًا في إعادة تأكيد العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة ، خصوصًا في أوقات التوتر الدولي. هنا نرى كيف تُستخدم الزيارات الرسمية كأداة لإعادة إنتاج التحالفات وليس فقط إدارتها.

4. و يلاحظ ان تصريحات الملك البريطاني عادة تكون محسوبة بعناية، وتحمل رسائل ضمنية أكثر من كونها مواقف صريحة. هذا يبرز أهمية “اللغة الدبلوماسية” التي تسمح بإيصال مواقف سياسية دون خلق أزمات أو صدامات.

5. يستند النظام الملكي البريطاني  إلى تراكم تاريخي طويل، وهذا يمنحه نوعًا من الشرعية الرمزية التي يمكن توظيفها في العلاقات الدولية. فالدول التي تمتلك هذا النوع من الشرعية تستطيع التأثير خارج إطار القوة المادية.

الدروس المستفادة

الدروس المستفادة من زيارة الملك البريطاني إلى الولايات المتحدة من الزاوية العراقية يمكن تحديدها بما يأتي:

اذا طبقنا ممارسة الملك البريطاني ودوره على الحالة العراقية ، فيمكن أكتشاف الدروس الاتية :

أولاً: غياب الدبلوماسية الرمزية الفعّالة في العراق، حيث يضطلع رئيس الجمهورية في العراق بدور يفترض أن يكون قريبًا من “الرمزية التوحيدية البريطانية ”، لكنه عمليًا يُزجّ في التوازنات الحزبية ، بينما موقعه يتطلب الابتعاد عن الصراع السياسي اليومي، ليصبح ممثلًا للدولة ككل لا لطرف سياسي.

ثانياً: وفي ضوء ذلك ، تبرز الحاجة للفصل بين الشرعية السياسية والشرعية الرمزية. إذ ان النظام العراقي بعد 2003 ركّز على الشرعية الانتخابية ، إلا انه لم يطوّر “شرعية رمزية” جامعة على غرار النموذج البريطاني . فاذا كان هذا الدور يؤديه الملك في بريطانيا ، فالمفترض أن يمثله رئيس الجمهورية في العراق .وهذا الخلل اظهر الدولة خارجياً كـ”ساحة صراع” أكثر من كونها كيانًا مستقرًا.

ثالثاً: لقد اثبت الملك البريطاني قدرة فائقة على ادارة التحالفات الدولية بلغة دبلوماسية هادئة . بينما أخفقت السياسة العراقية في ادارة العلاقات مع قوى متعارضة (الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، ودول إقليمية). الامر الذي يتطلب استخدام خطاب دبلوماسي مرن مشابه لخطاب الملك البريطاني من اجل تقليل التوتر وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الأطراف كلها .

رابعاً: وتبرز في زيارة ملك بريطانيا أهمية “الخطاب السياسي غير الاستفزازي” بينما الكثير من التصريحات السياسية في العراق تتسم بالحدة ، لذلك تُقرأ خارجياً كرسائل رسمية سلبية. و نلاحظ ان التجربة البريطانية تُظهر أن ضبط اللغة السياسية يجنّب الدولة أزمات غير ضرورية، خصوصًا في بيئة إقليمية حساسة.

خامساً: يلاحظ ان بريطانيا تستثمر في صورتها كدولة مستقرة ذات تاريخ عريق. بينما العراق، رغم تاريخه العريق ، إلا انه لم يوظف هذا الإرث بشكل فعال في السياسة الخارجية. حيث يمكن استثمار الحضارة والتاريخ (سومر ،بابل، آشور…) كجزء من “القوة الناعمة” بدل حصر الصورة في الأزمات.

سادساً: ضرورة إعادة تعريف دور المناصب العليا في العراق . اذ لابد من تفعيل دور رئيس الجمهورية  ليكون أقرب إلى “ضامن رمزي للدستور” وليس لاعبًا سياسيًا، إذ قد يسهم ذلك في تخفيف الاستقطاب ، وتعزيز الاستقرار ، و تحسين صورة العراق خارجياً .

عليه ، فان العراق لا يحتاج إلى استنساخ النموذج البريطاني ، انما يمكنه الاستفادة من فكرته الأساسية التي ترتكز على وجود “مستوى رمزي هادئ” فوق الصراع السياسي اليومي. وهذا المستوى — إذا تم بناؤه بحصافة و حكمة — يمكن أن يصبح أداة قوية لتحقيق التوازن الداخلي ، وتحسين العلاقات الخارجية للعراق .

 


مشاهدات 61
الكاتب نديم الجابري
أضيف 2026/05/01 - 11:54 PM
آخر تحديث 2026/05/02 - 1:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 61 الشهر 783 الكلي 15245977
الوقت الآن
السبت 2026/5/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير