قراءة وتأويل لنص ( الام) للشاعر جواد الحطاب
من مطبخ الحياة إلى جبهة الموت
رياض عبدالواحد
المقدمة
:
يقدّم هذا النص اشتغالًا شعريًا كثيفًا على ثنائية الحياة/الموت، اليومي/الكوني، الحميمي/الكارثي، عبر مركز دلالي واحد هو (الأمّ).
غير أنّ هذه الأم لا تُقدَّم بوصفها كيانًا بيولوجيًا أو عاطفيًا فحسب، بل بوصفها نظامًا علاميًا يتكثّف فيه العالم بأسره. إنّ النص ينهض على تحوّلات مفاجئة في المشهد، وعلى انزياحات دلالية تنقل المتلقي من فضاء منزلي دافئ إلى أفق حربيّ مفتوح، من دون فواصل تقليدية، بل عبر ما يمكن تسميته بـ(الانكسار التدريجي في أفق التوقّع)
.
مطبخ الأم بوصفه كونًا مصغّرًا
يفتتح النص بصورة تبدو بسيطة، لكنها محمّلة بطاقة إيحائية
( نَمَتِ الرائحة ..
في عصير الطماطم
تبدو الفقاعات – في الطست – برّاقة)
إنّ /الرائحة/ هنا ليست مجرد إحساس، بل كيان ينمو، أي يتحوّل إلى كائن حي، ما يشي بأنّ الفضاء المنزلي ليس ساكنًا، بل نابض بالحياة. ويتعمّق هذا الإيحاء عبر صورة /الفقاعات/ التي توحي بالتحوّل، بالغليان، بالزمن الذي يعمل في الخفاء.
أما عبارة :
( وشخير الخميرة يأتي أليفًا
ودافئ)
فتنقلنا إلى مستوى سمعي حميمي، إذ تتحوّل الخميرة إلى كائن حيّ يشخر، في استعارة تُؤنسن المادة، وتُحيل المطبخ إلى فضاء كوني صغير، تتجاور فيه العناصر في تناغم عضوي .
الانزلاق من الطبيعة إلى القلق الكوني
:
يتصاعد البناء عبر مشهد طبيعي هادئ
.. (..النباتات مشغولة بالظلال الأخيرة
.. والشمس
تجمع أسمالها من حبال الغروب )
هنا، تُقدَّم الطبيعة في لحظة أفول، /الشمس تجمع أسمالها/ ، في استعارة تُشي بالانتهاء، بالانسحاب، وربما بالهزيمة. إنّ هذا التوصيف يمهّد لتحوّل كبير في بنية النص، فيبدأ التوتر بالتسرّب تدريجيًا.
حتى الخريف، الذي هو زمن الانطفاء، /تثاءب/، وكأنّ العالم كله يدخل في حالة خمول، ما يعمّق الإحساس بالترقّب.
القطّ بوصفه نقيض القلق:
في هذا السياق، يظهر القط:
- ( القطّ – وحده ، جنب القدور
يمرّغ في رقدة آمنة )
يمثل القط -هنا- البراءة أو اللامبالاة الكونية، فهو الكائن الوحيد الذي لا يتأثر بالقلق المحيط. بل إنّ الشاعر يؤكد:
(.. انه لا يغيظ كوابيسها)
أي أنّ هذا الكائن لا يستفز مخاوف الأم، بل ربما يمنحها وهم الطمأنينة. لكن هذا الهدوء سرعان ما يُقاطع.
الانكسار العنيف – اقتحام الحرب:
تأتي الجملة المفصلية:
(.. قاطعتها ، مع الأفق ، الطائرات)
إنّ /المقاطعة/ هنا ليست مجرد حدث، بل هي كسر لبنية النص، اقتحام للعالم الحميمي من قبل واقع عنيف. الطائرات لا تظهر تدريجيًا، بل تقتحم الأفق، فتُعيد تشكيل المشهد بأكمله.
ردّ فعل الأم:
(..فهّرت على قطّها
: بِشْ
لنوقد مصابيحنا في طريق القنابلِ)
يحمل مفارقة لافتة: فهي لا تهرب، بل تفكر في /إضاءة طريق القنابل/ ، وكأنها تستقبل الموت بنوع من التحدي أو الاستسلام الواعي.
هذه العبارة تمثّل ذروة التوتر الدلالي في النص.
تفكك العالم – من الإيمان إلى العدم
تدخل شخصية أخرى :
(.. أشارت عليها إمرأة
أن تخلّي المقادير للواحد الأحد
..) وتنام
هنا، يُستدعى البعد الديني بوصفه ملاذًا أخيرًا، لكن هذا الملاذ لا ينتج خلاصًا، بل يقود إلى السكون، إلى النوم، أي إلى الانسحاب من الفعل.
ثم تتكثف العتمة:
( الظلام ..
تناسل تحت الظلام)
إنها صورة انغلاقية، فالظلام لا ينتهي، بل يتكاثر، مما يعمّق الإحساس باللاجدوى.
ويصل النص إلى أقصى درجات الفراغ:
( السرير – الفراغ
السرير – السكون
..) ولا شيء
هذا التكرار يُحوّل السرير من رمز للراحة إلى فضاء للعدم، فلا يبقى سوى السكون.
"الـهناك" بوصفها فضاءً دلاليًا مفتوحًا
:
يستعمل النص لفظة /هناك/ بنحو متكرّر
.. (..أحفادها في الـ .. هناك
..) هناك تدور المعارك
إنّ /هناك/ ليست مكانًا محددًا، بل فضاء دلالي مفتوح، يرمز إلى البعد، إلى الغياب، إلى الحرب بوصفها حدثًا خارج السيطرة. إنها مسافة نفسية بقدر ما هي جغرافية.
حتى عندما:
(.. من خلال النوافذ لم ترَ شيئا
ولكنها أنصتت لزناجير دبّابة قادمة )
فإنّ الإدراك هنا سمعي لا بصري، ما يعمّق الإحساس بالغموض والتهديد.
تحوّل الأم إلى فاعل كوني
:
في الخاتمة، يحدث التحوّل الأكبر:
.. (..غدا
سوف تدلق ماء الطماطم من طشتها
وتروح الـ هناك)
إنّ /ماء الطماطم/ الذي كان في البداية رمزًا للحياة اليومية، يتحوّل الآن إلى شيء ينبغي التخلّي عنه. تترك الام المطبخ، أي تترك عالمها الأصلي، لتتجه نحو /هناك/ نحو الحرب.
والغاية:
( لتغسل أحزان أحفادها ..
والجنود)
إنها لا تذهب لتحارب، بل لتغسل، أي لتعيد ترميم العالم، لتؤدي دورها الأصلي ولكن في سياق جديد.
هنا تتحوّل الأم إلى كيان كوني، يتجاوز حدود العائلة ليشمل الجنود جميعًا.
البنية النفسية – قلقٌ مُؤجَّل ووعيٌ يتشظّى
:
إذا ما انتقلنا إلى تفكيك البنية النفسية للنص، سنجد أنّه يقوم على ما يمكن تسميته بـ(القلق المؤجَّل)، فلا يظهر الخوف بنحو مباشر أو صاخب، بل يتسرّب عبر التفاصيل اليومية الصغيرة.
فالأم لا تصرخ، ولا تنهار، بل تستمر في طقسها الاعتيادي:
( نَمَتِ الرائحة ..
في عصير الطماطم)
هذا الاستمرار ليس علامة طمأنينة، بل آلية دفاع نفسي، تُعرف في التحليل النفسي بوصفها (إنكارًا وظيفيًا)، حيث يُبقي الفرد على سلوكاته اليومية كطريقة لمقاومة الانهيار الداخلي.
غير أنّ هذا التماسك يبدأ بالتشظّي مع اقتحام الواقع العنيف:
(.. قاطعتها ، مع الأفق ، الطائرات)
هنا، يحدث الكسر في البنية الإدراكية، إذ ينتقل الوعي من حالة الانغماس في اليومي إلى حالة صدمة. لكن اللافت أنّ النص لا يقدّم هذه الصدمة بنحو هستيري، بل عبر تحوّل لغوي هادئ، ما يعكس (تطبيع الصدمة) ، أي تحوّل الكارثة إلى جزء من الإيقاع النفسي المعتاد.
ويتجلّى هذا التشظّي بوضوح في تكرار "هناك":
(.. أحفادها في الـ .. هناك)
إذ تصبح /هناك/ فضاءً نفسيًا بقدر ما هي جغرافي، تمثّل منطقة القلق التي لا يمكن إدراكها أو السيطرة عليها. إنّها صورة للغياب، للانفصال، وللعجز عن الحماية.
أما الذروة النفسية فتتجلّى في هذا الانتقال :
( السرير – الفراغ
السرير – السكون
.. ولا شيء)
إذ يصل الوعي إلى حالة تفريغ كامل، أقرب إلى (الانسحاب النفسي) ، وهو شكل من أشكال الدفاع الأخير أمام ضغط الواقع.
لكن النص لا ينتهي عند هذا الحدّ، بل يعيد بناء الذات عبر فعل موجّه :
( سوف تدلق ماء الطماطم من طشتها
وتروح الـ هناك )
هذا القرار يمثّل انتقالًا من القلق السلبي إلى الفعل، من الانكسار إلى المبادرة، وهو ما يمكن قراءته بوصفه /إعادة تشكيل للذات/ في مواجهة الصدمة.
فالأم لا تتجاوز خوفها، بل تعيد توجيهه نحو فعل رَعائي كوني:
( لتغسل أحزان أحفادها ..
والجنود)..
وهنا، تتحوّل البنية النفسية من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن القلق الفردي إلى احتواء جماعي، ما يجعل النص في جوهره رحلة من التصدّع إلى إعادة التكوين.
الخاتمة :
هذا النص ليس مجرد قصيدة عن أمّ في زمن الحرب، بل هو بناء دلالي معقّد يشتغل على تفكيك الحدود بين الخاص والعام، بين المطبخ وساحة المعركة، بين الرائحة والقنابل.
إنّ الأم هنا ليست شخصية، بل بنية رمزية تمتصّ العالم وتعيد إنتاجه.
وبواسطة هذا التحوّل، يقدّم النص رؤية مأساوية، بيد انها مشبعة بنوع من الأمل الكامن: فحتى في أقصى لحظات العتمة، تظلّ هناك إمكانية للفعل، للفعل الأمومي تحديدًا، بوصفه مقاومة صامتة للموت .