الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشِّعرُ كطريق… حين يتحوّل النص إلى حياة


الشِّعرُ كطريق… حين يتحوّل النص إلى حياة

حيدر عبد الرحمن الربيعي

 

ليس الشعر، كما اعتاد الناس أن يتلقّوه، مجرّد كلام موزون أو قافية منضبطة، بل هو حالة وجودية تتجاوز اللغة إلى ما وراءها. إنّه تلك الرجفة الخفية التي تعبر الإنسان قبل أن تتحوّل إلى كلمات، وتلامس القلب قبل أن تُصاغ في بيتٍ أو سطر. ومن هذا المنظور، يغدو الشعر تجربة تُعاش أكثر مما هو نصّ يُقال.

في الإشارة القرآنية، يبرز تمييز دقيق بين نوعين من الشعر: شعرٍ يُردّد على الألسن، وآخر يتجسّد في السلوك والعمل. يقول تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ… إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وكأن النصّ المقدّس يضع معيارًا واضحًا: ليس الشعر ما يُقال، بل ما يتحقّق في الإنسان.

من هنا، يمكن فهم الشعر بوصفه سلوكًا لا نصًا. فالشاعر الحقيقي لا يُقاس بما يكتبه فقط، بل بما يكونه. قد لا يدوّن كلمة واحدة، ومع ذلك يكون حضوره كلّه قصيدة حيّة. هذه الرؤية تجد صداها في أقوال كبار المتصوّفة، إذ يرى جلال الدين الرومي أن الشعر ليس كلمات، بل نار تشتعل في الداخل، بينما يعبّر الحلاج عن ذروة الاتحاد حين يقول: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا”، حيث يذوب الفاصل بين القائل والمقول.

ويمتد هذا الفهم إلى الحكمة العربية، حيث يختصر الإمام علي بن أبي طالب المعنى بقوله: “قيمة كل امرئ ما يُحسن”، في إشارة إلى أن الحقيقة تُقاس بالفعل لا بالقول. فالشعر، في جوهره، هو تحقق لا ادعاء.

وعندما يبلغ الشعر أقصاه، تتراجع اللغة إلى الخلف. لا لأنها تعجز، بل لأنها تشير ثم تصمت. الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر اعتبر أن “اللغة بيت الوجود”، غير أن الشاعر، في تجربته القصوى، لا يكتفي بالسكن في هذا البيت، بل يعيد تشكيله، أو يتجاوزه ليصبح هو ذاته تعبيرًا عن الوجود. وفي السياق ذاته، يرى أدونيس أن الشعر ليس ما نقوله، بل ما يجعلنا نقوله، أي أنه القوة الكامنة خلف اللغة، لا اللغة ذاتها.

وفي هذا الأفق، تصبح الكلمة اختبارًا: إما أن تعبر بالإنسان نحو معنى أعمق، أو تبقى مجرّد زخرفة. وقد عبّر الأديب الراحل عبد الرحمن مجيد الربيعي عن هذا المعنى بدقّة حين أشار إلى أن الكلمة التي لا تُنقذ صاحبها لا تستحق أن تُقال، في تأكيد على أن اللغة، إن لم تكن طريقًا، تصبح عبئًا.

وفي التجربة الصوفية، يتخذ الشعر بُعدًا آخر، إذ يتحوّل إلى معراجٍ روحي. فالحقيقة، كما يرى ابن عربي، لا تُدرك بالتجريد بل تُذاق، بينما يذهب فريد الدين العطار إلى أن الطريق إلى الله ليس في الكتب، بل في الاحتراق. هذا “الاحتراق” هو ما يجعل الشعر فعل تحوّل، لا مجرّد تعبير. وقد تجلّى ذلك أيضًا في شعر بدر شاكر السياب، الذي استطاع أن يحوّل الصورة إلى أفق مفتوح، واللحظة العابرة إلى زمنٍ ممتد.

غير أن هذا الطريق لا يخلو من التزييف. فكما يوجد شعر يكشف، هناك شعر يزيّن دون أن يغيّر. شعرٌ يُدهش القارئ، لكنه لا يمسّ جوهره. وهنا تتجلّى خطورة الانفصال بين القول والفعل، وهو ما حذّر منه النص القرآني حين أشار إلى من “يقولون ما لا يفعلون”. ويعزّز الفيلسوف فريدريك نيتشه هذا المعنى حين يربط القدرة على التحمّل بامتلاك “لماذا” نعيش، في حين أن الشعر الزائف قد يمنح الإنسان “كيفًا” جميلًا للحياة، لكنه يتركه بلا معنى حقيقي.

في المقابل، يظل الشعر الحقيقي مرتبطًا بصاحبه ارتباطًا عضويًا، بحيث يستحيل الفصل بين القائل وما يقول. وهنا تعود الحكمة الخالدة للإمام علي: “لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال”، لكنها في الشعر الأصيل تتجاوز ذلك، لأن القول يصبح امتدادًا للذات.

في نهاية المطاف، يصل الإنسان إلى لحظة لا يعود فيها كاتبًا للشعر، بل يتحوّل إلى قصيدة حيّة. يختصر الرومي هذه الرحلة بقوله: “كنت خامًا… فنضجت… فاحترقت”، في إشارة إلى مسار التحوّل الداخلي الذي يمرّ به السالك. فالدهشة هي البداية، والاحتراق هو العبور، أما الوصول فهو أن يتبدّل الكائن في عمقه.

وعليه، ليس كل من كتب الشعر قد سلك طريقه، لكن كل من سلك هذا الطريق، لا بد أن يصبح شعرًا في حضوره، وسلوكًا في وجوده.


مشاهدات 50
الكاتب حيدر عبد الرحمن الربيعي
أضيف 2026/04/25 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/04/26 - 1:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 92 الشهر 22302 الكلي 15240375
الوقت الآن
الأحد 2026/4/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير