بين الواجب والدوافع النفسية.. قراءة نقدية لفلسفة (كانت) في الأخلاق
حقي الراوي
لم تكن الأخلاق يومًا مفهومًا بسيطًا يُختزل في قاعدة فلسفية جامدة،
ولا سلوكًا يُفسَّر بمعيارٍ واحدٍ مطلق.
ومع ذلك، فقد سعت بعض الفلسفات، وعلى رأسها فلسفة (كانت) Immanuel Kant، إلى تأسيس الأخلاق على مبدأ الواجب الخالص، بمعزلٍ عن كل دافعٍ أو غاية.
يرى (كانت) أن الفعل لا يكون أخلاقيًا إلا إذا صدر عن واجب،
لا عن رغبة، ولا عن خوف، ولا عن منفعة.
غير أن هذا التصوّر، رغم صرامته، يتجاهل حقيقة جوهرية في تكوين الإنسان:
قيمة اخلاقية
أن النفس الإنسانية بطبيعتها محكومة بدوافع، وأن هذه الدوافع ليست عيبًا ينبغي إلغاؤه، بل عنصرًا أصيلًا في بنية السلوك.
إن القول بأن الطمع أو الخوف يُفسدان القيمة الأخلاقية للفعل على إطلاقه،
يُغفل أن الإنسان لا يتحرك في فراغٍ مثالي،
بل ضمن شبكة من الحاجات والرغبات والمخاوف التي تشكّل دافعيته نحو الفعل. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم .
وَلَا تُفسِدُواْ فِي ألأَرضِ بَعدَ إِصلَحِهَا وَادعُوهُ خَوفا وَطَمَعًا إِنَّ رَحمَتَ اللَّهِ قَرِيب مِّنَ المُحسِنِينَ . / 56 /الاعراف
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرقَ خَوفا وَطَمَعا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ . / 12 / الرعد.
وَمِن ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ البَرقَ خَوفا وَطَمَعا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاء فَيُحيِ بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَت لِّقَوم يَعقِلُونَ . / 24 / الروم.
تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفا وَطَمَعا وَمِمَّا رَزَقنَهُم يُنفِقُونَ ./ 16 / السجده.
وفي ضوء ما تقدم ، فإن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتيجة تفاعلٍ بين ثلاثة عناصر:
( الهدف، والدافع، والعقل ).
توازن عقلي
فالهدف هو الذي يمنح الفعل اتجاهه، والدوافع هي التي تمنحه الطاقة، أما العقل فهو الذي يوازن منطقيا بين هذه العناصر، ويحدّد المسار الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان.
وعليه، فإن الدوافع كالرغبة (التي قد تُسمّى طمعًا) أو الخوف، ليست في ذاتها نقيضًا للأخلاق، بل هي إشارات طبيعية تنتمي إلى أصل تكوين النفس،
ويكمن الخلل لا في وجودها، بل في غياب التوازن العقلي الذي يضبطها.
إن العقل هنا لا يُقصي الدوافع، بل يُهذّبها، ولا يُنكر الغاية، بل يُنظّم السعي إليها.
وبذلك تصبح الأخلاق ليست إنكارًا للطبيعة الإنسانية، بل ارتقاءً بها.
ومن هذا المنظور، لا يكون الفعل الأخلاقي هو ما صدر عن واجبٍ مجرد،
بل ما تحقّق فيه من انسجامٌ بين الدوافع والغاية تحت إشراف العقل،
بما يضمن سلامة الاختيار واتّزانه. إن اختزال الأخلاق في الواجب وحده يُجرّد الإنسان من إنسانيته،
كما أن إطلاق الدوافع دون ضابطٍ عقلي يُفقدها معناها. وبين هذا وذاك، تتجلّى الأخلاق الحقيقية بوصفها توازنًا واعيًا، لا قطيعةً مع النفس، ولا خضوعًا أعمى لها.