الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مع ذات الإبتسامة الساحرة

بواسطة azzaman

كلام أبيض

مع ذات الإبتسامة الساحرة

جليل وادي

 

ليس بوسعي النظر الى عينيها الصافيتين، ممشوقة القوام، حيوية الشباب بادية على حركاتها وانتقالاتها بالرغم من أربعينية عمرها، انا الخجول بطبعي، لم يكن أمامي سوى أن أطرق رأسي أرضا، ابتسامتها تقول أشياء كثيرة، حاولتتجاهلتلك الابتسامة الساحرة، وألعن الكثير من الأشياء التي مرت بحياتي البائسة، عبّرت عما بداخلي المقهور بكلمات قاسية بصوت مسموع، لي أن أتحدث بحريتي، فهي لا تفهم لغتي، وغالبا ما أتفاهم معها بالاشارات، ولفطنتها اللافتة تعرف من السياق ما أريد، فسرعان ما تنفذ طلباتي دون تردد، لكن هذه المرة كانت في ابتسامتها سخرية واضحة، وهذا ما آلمني وأخجلني في الوقت نفسه، ومع ذلك بررت اخفاقاتي وبعض انكساراتي في تحقق هدفي برؤية مدينة كرادشتالايرانية، الجميلة بطبيعتها والنقية بهوائها والمترنحة في مكانها، على قمة جبل أخضر على طول المدى.

ومع حجم الارهاق الكبير الذي انتابني في الوصول اليها والذي استغرق اثنا عشر ساعة بسبب ان الطريق المختصر اليها من العاصمة طهران كان مغلقا لأسباب غير معروفة، ما اضطر السائق الى استبداله بطريق آخر طويل جدا، اتاح لي رؤية مدن وقرى عديدة بين الجبال وعلى شاطيء بحر قزوين، ولولا ان السيارة ضيقة والطريق طويل لكانت هذه الرحلة من أمتع رحلات حياتي، فالسائق كان ودودا للغاية، ولم يتذمرأبدا، بل حاول كثيرا التخفيف من معاناتي بلغةهجينة بين العربية والفارسية.

الجو على قمة الجبل فيه لسعة برد، وأدركت المرأة حاجتي الى مدفأة، ودون ان أطلب منها ذلك، أشعلت المدفأة الغريبة في شكلها، لا جود لقنينة غاز قربها، تتبعتها فعرفت ان تجهيز الغاز يجري عندهم عبر الأنابيب، وهم على قمة الجبل، والماء عندهم قوي جدا وكأنه مدفوع بمضخات كالتي يستعملها أصحاب محال غسل السيارات في بلادنا، المشكلة اني لا أعرف كيف اشعل واطفأ هذه المدفأة الغريبة، وكنت أتحسب من تسرب الغاز ومخاطره عند النوم، مدركا بأن النعاس سيدب الى أجفاني بعد مدة وجيزة بسبب التعب، ما اضطرني بعد ساعة الى مناداة المرأة الايرانيةلاطفاء المدفأة، فجاءت مسرعة لندائي بنظرة استغراب، وعندما طلبت منها اطفائهاقابلتني بابتسامة ساخرة، وكأنها تقول: يا لهذا الرجل المتخلف الآتي من البادية، انها مدفأة غازية، وهل هناك شخص في الدنيا لا يستطيع اطفائها، هذا ما فهمته من ابتسامتها الساخرة، فلعنت حظي العاثر، وشتمت الأولين الذين تعرفونهم ومن جاء بعدهم بصوت مسموع، غمزت لي زوجتي دون أن تراها المرأة بأن أقطع الكلام تحسبا من أن يكون كلامي مفهوما لديها، أقنعت نفسي بعدم وجود مشكلة في الصورة السلبية التي كونتها المرأة عني، المهم عندي، الانجاز الكبير الذي حققته لزوجتي برؤية هذا المكان الذي أدهشها، وهي تتلفت يمينا وشمالا للاستمتاع بغابات عباس آباد التي تظلّل الشارع المتعرج بمسير حوالي ساعة في سيارة البيجو، ويبدأ من قمة الجبل لينتهي عند البحر.

لا يعجبني النوم عند السفر، أحاول استثمار كل الوقت في استطلاع أكبر عدد من الأمكنة، حتى وصفني أصدقائي بأني أشم الأمكنة ولا أتلذذ بطعمها، ومع ذلك قبلت بهذا الوصف، فلا تدري قد لا يقسم لك الله أن تزور المكان ثانية، عليك أن تؤثث ذاكرتك بما هو جميل، فقد تعفنت ذاكرتنا على مدى عقود ماضية ونحن نحشوها مجبرين بالكثير مما هو قبيح كالأمكنة التي نتجول فيها في بلادنا يوميا، وحتى تلك الجميلة بطبيعتها فأنها لم تنل منا ما يكفي من اهتمام ، للدرجة التي تكيّفنا فيها مع القبح، وصارت مكبات النفايات لا تلفت نظرنا.

استيقظت صباحا بهدوء لكي لا أقلق زوجتي وحفيدي الذي التحف بالبطانية من برد كرادشت الشفيف، أردت أن يأخذا قسطا وافيا من الراحة استعدادا لرحلة قد تستغرق النهار كله وبعضا من الليل، ومن النافذة المطلة على سفح الجبل أبهرتني كثافة الأشجار الطبيعية، وحدائق البيوت بأزهارها الخلابة، والنظافة اللافتة للشارع المقابل للنافذة، لكن صوتا أجشا أفزعني وهو ينادي باسمي، بعده سرعان ما دب الفرح في جسدي، فمنذ يومين وانا قبالة محطة الغاز في بعقوبة بانتظار استلام قنينة واحدة، واحدة فقط.

 

jwhj1963@yahoo.com


مشاهدات 43
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/04/25 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/04/26 - 1:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 143 الشهر 22353 الكلي 15240426
الوقت الآن
الأحد 2026/4/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير