الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التجنيد الإلزامي في ضوء الجغرافية العسكرية المعاصرة

بواسطة azzaman

التجنيد الإلزامي في ضوء الجغرافية العسكرية المعاصرة

حسين الزيادي

 

    شهدت الجغرافية العسكرية المعاصرة تغييراً هائلاً في الأساليب والأهداف والإمكانيات، حيث انتقل مركز الثقل من القوة الصلبة المتمثلة في القوة البشرية ، إلى القوة الناعمة والذكية التي تدار من خلف الشاشات، ففي الحروب التقليدية، كان الهدف هو السيطرة على التلال والمدن؛ أما في الحروب الحديثة، فإن الجغرافيا العسكرية تهدف الى احتلال الأنظمة لا الأرض، وبهذا لم تعد المسافات والحدود الجغرافية عائقاً؛ فالهجمة السيبرانية المنطلقة من قارة أخرى قد تكون أكثر تدميراً من لواء مدرع مرابط على الحدود، واصبحت الطائرات المسيرة أصبحت هي القوة التي تُدار من غرف تحكم تبعد آلاف الكيلومترات، وتنفذ عمليات إعدام ميداني بدقة متناهية ودون خسائر بشرية في صفوف المهاجم، اما اختراق المنظومة الأمنية وتسريب البيانات فيشكل هزيمة تفوق بمراحل خسارة معركة ميدانية، حيث يشعر الخصم بالانكشاف التام أمام قوة غير مرئية

تأسيساً على ما تقدم فإن جدوى التجنيد الإلزامي في العراق تعتمد على الشكل لا  الأصل؛ فإذا كان تجنيداً تقليدياً غايته زيادة العدد، فكلفته أكبر من نفعه، لان هذه القوة البشرية ماعادت تشكل رقماً في ظل التطورات العسكرية، أما إذا كان تجنيداً وطنياً تنموياً بهيكلية وآلية جديدة، فربما يكون ذلك دعامة لبناء مواطنة صالحة من خلال صهر المكونات وحماية السيادة الجغرافية .

الهبة الديموغرافية في العراق

هي ظاهرة اقتصادية واجتماعية تحدث عندما يتفوق نمو الفئة السكانية المنتجة (التي تتراوح أعمارها بين 15 و64 عاماً) على نمو الفئة المعالة (الأطفال دون سن الـ 15 وكبار السن فوق الـ 64سنة)، وهذا التحول يؤدي إلى انتفاخ في وسط الهرم السكاني، وإذا استُثمرت هذه الزيادة في سوق العمل والتعليم، فإنها تؤدي إلى طفرة في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة في المدخرات الوطنية، وتحول الدولة من دولة استهلاكية إلى دولة منتجة ، لان ذلك يعني انخفاض مستويات الاعالة السكانية بشرط وجود نمو اقتصادي سليم وهيكلية اقتصادية تعتمد على تنوع الواردات، والعراق الان وبحسب اخر تعداد يمر بمرحلة الدخول في هذه الهبة، فنسبة الشباب تحت سن 25 عاماً تشكل أكثر من 60% من السكان، هذا يعني أن العراق يمتلك قوة عمل كامنة هائلة، وهي جوهر الهبة الديموغرافية، لكن رغم توفر المادة البشرية يواجه العراق تحديات تمنعه من تحويل هذه الهبة إلى ثروة وطنية بسبب البطالة الهيكلية والارتهان للاقتصاد الريعي، وخلاصة ذلك ان العراق حالياً يمتلك الهبة كمعطى عددي، لكنه يفتقد العائد كأثر اقتصادي، أي ان الهبة الديموغرافية في العراق تعتبر سلاح ذو حدين؛ فهي إما أن تكون وقوداً للنهضة الشاملة أو عبئاً يهدد الاستقرار إذا لم تُستثمر بشكل صحيح.

التحديات التي تواجه قرار التجنيد الالزامي

إن قرار التجنيد الإلزامي في ظل الهبة الديموغرافية في العراق يواجه تحديات معقدة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1. التحدي المالي (كلفة التجهيز والإعالة): مع وجود هبة ديموغرافية تعني أن نسبة الشباب (الفئة العمرية 18-25) في أعلى مستوياتها، وبهذا يواجه القرار ضغطاً هائلا لان التجنيد الالزامي سيستوعب مئات الآلاف سنوياً، مما يتطلب ميزانيات ضخمة للتدريب، الإطعام، الرواتب، والطبابة، النقل، المسكن، التدريب.

2.البنية التحتية: العراق سيحتاج إلى بناء أو إعادة تأهيل عشرات المعسكرات ومراكز التدريب التي تتناسب مع هذه الأعداد الانفجارية، وهو ما قد يستنزف ميزانية الدولة المثقلة أصلاً بالرواتب التقاعدية والتشغيلية.

2. تعطيل القوة الإنتاجية: الهبة الديموغرافية هي المدة الزمنية التي يكون فيها المعيلون أكثر من المعالين، وهذا يتطلب زج الشباب في سوق العمل لتحقيق النمو الاقتصادي وهذا يعني ان التجنيد الالزامي سوف يعطل الهبة الديموغرافية.

3. سحب العقول: سحب الشباب من الجامعات أو سوق العمل في ذروة نشاطهم قد يؤدي إلى تباطؤ في القطاع الخاص والابتكار التقني.

4.تأخير دخول سوق العمل: التجنيد لمدة عام أو عامين يؤخر انخراط الشباب في الإنتاج القومي، مما قد يحول الهبة إلى عبء إذا لم يقترن التجنيد بتدريب مهني وتقني عالي المستوى.

5. التحدي اللوجستي والإداري: ونعني به ان التجنيد الالزامي يعني فتح باب واسع للفساد المالي والإداري، حيث تبرز مخاوف من ظواهر مثل الفضائيين أو الرشاوى، مما قد يفرغ القانون من محتواه الوطني ويجعله يطبق فقط على الفقراء من الشباب.

6. التحدي الامني والاختراق المؤسسي: ان النمو الديموغرافي الكبير يُصعّب من عملية الفحص الأمني الدقيق للمجندين في ظل وجود خلايا نائمة لكيانات ارهابية فيصبح إدخال أعداد هائلة من الشباب إلى المؤسسة العسكرية دون تدقيق معمق مخاطرة أمنية.

7. التحدي التقني (الحرب النوعية مقابل الكمية): عدم الجدوى العسكرية للعدد: في عصر الحروب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، قد يكون جيش من (50 ألف) مختص بالبرمجيات والمسيرات أقوى من جيش من (مليون) جندي مشاة. وهنا يبرز السؤال الرئيس : هل العراق بحاجة لهذه الأعداد البشرية أم بحاجة لتكنولوجيا متطورة؟


مشاهدات 48
الكاتب حسين الزيادي
أضيف 2026/04/25 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/04/26 - 1:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 92 الشهر 22302 الكلي 15240375
الوقت الآن
الأحد 2026/4/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير