خيانة الجسور
كامل عبدالرحيم
قبل أيام، وفي يوم غير عطلة الجمعة، كنت أعبر الجسر العتيق من جهة الكرخ قاصدًا شارع المتنبي. الجسر لا يبدو مزدحمًا بل فسيحًا، عزز هذا الانطباع مغادرة سيارة الشرطة الزرقاء من نوع شوفرليت سلفادور، وكانت تربض كدبابة على رأس الجسر. لا أدري كيف انتبهت لمغادرتها، ربما من البقعة السوداء الكبيرة على رصيف الجسر، لتمتد إلى الشارع نفسه، وكانت مكانًا لبرميل كبير يستخدمه عناصر الشرطة لحرق الحطب لغرض التدفئة وطهي وتخدير الشاي.
في منتصف الجسر تمامًا، وكنت مستعجلًا وصولها حيث مشقة الصعود مقابل استرخاء النزول على النصف الثاني للجسر، في المنتصف جلست امرأة واختارت أن تدير ظهرها للعابرين من جهة الكرخ مع استدارة مناسبة ناحية النهر، إخفاءً لوجهها فوق ما تخفيه عباءتها السوداء من ملامحها. كانت تضع أمامها أشياء بائسة لإبعاد شبهة التسول عنها.
ومن النصف الآخر، متثاقلًا مثلي، كان رجل طويل القامة نحيفًا لكنه أعرج، وفي منتصف الأربعينات من عمره أو بلغ الخمسينات. رغم تعبنا وتثاقل خطونا كنا نبدو وكأننا نتسابق لبلوغ القمة أو منتصف الجسر. كنت أفكر في المرأة لأرى حاجياتها وأقدر عمرها وربما وضعها لأضع لبؤسها قصة على هواي، كان في بالي أن أتجاوز خجلي وكسلي لإعطائها ما يقسمه الله من محفظتي التي تلمستها كمن يتأكد من جهوزية سلاحه.
وصلنا، أنا والرجل الأعرج في نفس اللحظة لقمة الجسر أو منتصفه، ولم تكلف المرأة نفسها بالالتفات نحونا، ربما العكس، فقامت بحركة ذكرتني بجدتي أم عباس والتي كانت تقوم بها وهي في عقدها السابع كلما صادفت رجلًا.
لأجزاء من دقيقة، وجدت نفسي كمن يمشي في الهواء، فأخذت قدماي تضرب الأرض دون المسير أو التقدم لعبور النصف الثاني من الجسر. أما الأعرج، وقد اقترب جدًا، فوجدته وسيمًا رغم علته وربما زادته جمالًا. قام الأعرج بحركة هي أقرب لدورة كاملة حول نفسه، رشيقة وربما استفزازية وكأنه يقرأ أفكاري. كنا على وشك مغادرة منتصف الجسر وبالتالي ترك المرأة وراءنا، فكانت حركته الرشيقة هي في نفس الوقت إخراج بعض النقود من جيبه الخلفي والاستدارة ناحية المرأة التي سمعت صوتها وهي تشكر الأعرج الكريم. قلت له هامسًا: انتصرت علي أيها الجميل، ومضينا بائسين لغايتنا.
يثقل خطاي وهي تعبر الجسر العتيق شعور بالذنب وحتى الخيانة. ابتدأ هذا الإحساس بموت عبد (عبد من الوشاش)، وكنت أصادفه كل جمعة أو أتوقع رؤيته في مكان محدد من الجسر، وفي آخر مرة لنا (كتبت عنه وصلة خاصة) قلت لنفسي هذه آخر مرة أرى فيها عبدًا، وهو ما حصل بموته بعد أيام. لكن الذنب الأكبر هو غياب رفيقي علاء حسن (أبو أحمد)، رفيقي بعبور الجسر كل جمعة، ولما تركني عابرًا للضفة الأخرى من كل شيء فأصبح العبور وبالضبط عند موقع سيارة الشرطة السلفادور حيث نضطر للافتراق هنيهة حتى نلتحم ضاحكين، أصبح العبور فعل خيانة ثقيل فأعنف نفسي بالقول: (ما أقبحك.. ما أوكحك).
كنت أقول لأخي فوزي وأعترف له بهذه المشاعر الثقيلة ونحن نعبر الجسر معًا، فيكتفي بضرب فخذه الأيمن بكفه اليمنى حزنًا، وهذا بالمناسبة نفس ما تفعله جدتي أم عباس.
كان فوزي في ذلك العبور الأخير حيث هزمني الأعرج الوسيم راقدًا في المستشفى فاقدًا لوعيه، كنت أصارع أفكاري بأننا لن نعبر معًا مرة أخرى وبين قسمي باقتياده كل أسبوع على الـ (Weel Chair) ويكفيه أن يسترد وعيه وذاكرته.
كنت مثقلًا بمشاعر الخيانة وأنا أعبر وحيدًا ما تبقى من الجسر وربما من الحياة، وأفكر أن فوزي الآن في حلم طويل، طويل جدًا، قد يكون سعيدًا وفي كامل لياقته وهو يتحدث لجمهور لا أعرفه حديثه المعهود. كنت أقول أيضًا: هو يفتح بابًا أو كوة صغيرة لنا للتسلل ودخول حلمه للحظات، فنخرج بعدها من نافذة أو خرم صغير… صغير جدًا، خرم إبرة لطالما آلمتنا فحسب… خرم هو كل حياتنا يا فوزي…