الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التويجري بنّاء الجسور

بواسطة azzaman

التويجري بنّاء الجسور

عبد الحسين شعبان

 

خلال حضوري منتدى الإعلام السعودي، استعدت علاقتي بالمملكة التي قاربت نحو ثلاثة عقود من الزمن، كان آخرها محاضرة لي في الظهران وأخرى في المنطقة الشرقية، عشية وباء كورونا 2020. التأم المنتدى الذي دخل موسوعة غينيس بمشاركة 300 باحث وإعلامي وصحفي وأكاديمي وكاتب ومفكّر وأكثر من 250 مؤسسة وجهة متخصصة في الصناعات الإعلامية، وحضره أكثر من 65 ألف شخص على مدى ثلاثة أيام.

وخلال وجودي أجرت معي محطة تلفزيونية حوارًا مفتوحًا عن ذكريات مهرجان الجنادرية، حيث كنّا نلتقي فيه على مدى فترة بقائنا بالشيخ عبد العزيز التويجري، الذي كان يمثّل فضاءً للأدب والتاريخ والفلسفة، وكان مجلسه عامرًا بحوارات ونقاشات عميقة، فقد استطاع الرجل استقطاب عشرات المثقفين العرب من مشارب شتّى، ونسج معهم صداقات عميقة، وكان هدفه بناء الجسور بين مثقفي المملكة والمثقفين العرب، وسعى لإدامة التواصل والتفاعل بينهم لتعزيز ما هو مشترك وإنساني، جاعلًا من العروبة الثقافيّة والانتماء الوجداني الرابط الحضاري الذي يعلو على جميع الاعتبارات الضيّقة الفئويّة والدينيّة والإثنيّة والجهويّة والمناطقيّة. وأظنّ أن جميع ضيوفه ومَن جالسه ومَن اختلط به كان ينظر إليه بصفته قاسمًا مشتركًا، لا بصفته فردًا واحدًا، وإنما باعتباره مجموع، وقد مكّنه ذلك من حيازة ثقة الجميع، ومكّن المملكة من التعرّف على آراء ووجهات نظر وأفكار مختلفة وجديدة. وكان همّه الدائم هو تجسير الفجوة بين المثقف والسلطة، وبين أصحاب الرأي وصاحب القرار.

صديق عتيق

كان الرجل ينتمي إلى زمننا، وفي الوقت نفسه كان مشدودًا إلى تراثنا العربي - الإسلامي، هكذا يبدو صديقًا حميمًا للمتنبي، يشاطره الفلسفة، وهو كذلك صديق عتيق للمعرّي، فقد قاسمه الحكمة والعدل، لكنه لم يكن مقيمًا في التاريخ، ولم يسعَ لاستعادته، بل إعادة قراءته ممّا مكنّه من استخلاص الدروس والعِبر. وبقدر ما كان يعيش الحاضر، ظلّ متمسكًا بالجذور، مثلما يتطلّع إلى المستقبل، وأستطيع القول اقتفاءً بأثر الروائي الروسي غوركي عن أحد ثوريي عصره، أن نصف عقله كان يعيش في المستقبل، فقد كانت أحلامه كبيرة ورؤيته سابقة لزمنه.

لم ينظر التويجري إلى النصوص باعتبارها مقدّسة، بل كان ينطلق من رؤية واقعية، وبالطبع لا قيمة لأية فكرة إنْ لم يتمّ اختبارها، وكل فكرة في بداياتها تُعتبر تجريبية إن لم يزكّها الواقع، كان يقرأ بتبصّر ويفتّش في بطون الكتب، إلّا أن رؤيته لم تستمدّ قيمتها من الأفكار المجرّدة فحسب، بل كانت دائمًا تنطلق من الواقع والممارسة.

الغاية عند التويجري مثلما هي عند المهاتما غاندي، دائمًا ما ترتبط بالوسيلة، فلا غاية شريفة دون وسيلة شريفة، وشرف الغاية من شرف الوسيلة، فإذا كانت الأخيرة عادلة ونبيلة ومقبولة ومنسجمة مع مبادئ الحق والعدل والأخلاق، فإن الغاية ستكون كذلك، والعكس صحيح أحيانًا، لأن الوسيلة إلى الغاية مثل البذرة إلى الشجرة، وعلاقتهما مترابطة وعضوية.

كان التويجري منفتحًا على الآخر عقلًا وفكرًا ودينًا، لذلك لم يخاطب السعوديين فحسب، بل إنه كتب للعرب والمسلمين والعالم والإنسان حيثما كان، فهو مقياس كلّ شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس. لقد كان التويجري مثقفًا موسوعيًا رؤيويًا يبحث عن المشترك الإنساني لتعظيمه، ويفتّش على الفوارق لتقليصها واحترامها.

ثقافة الأسئلة

كانت الأسئلة تراود التويجري، وهو ما يبدأ حواره بها، وأول الفلسفة سؤال كما يُقال، ولعلّ زمننا تتقدّم فيه الأسئلة وينهزم الجواب، حسب تعبير الشاعر أدونيس، وعن ثقافة الأسئلة لديه كتب الشاعر يحيى السماوي، كما كتب د. نجم عبد الكريم كتابًا بعنوان «هكذا تكلّم التويجري»، وكان الأخير ملح جلساتنا مع التويجري، فهو الأقرب إليه والأكثر معرفةً بعالمه والأحرص على ظروفه، حيث يجتمع جورج قرداحي وعرفان نظام الدين والطيب صالح وسعد البزّاز وحسن صبرا وبسام عفيفي وحسن العلوي وبلال الحسن وشفيق الحوت وفؤاد مطر وزاهي وهبي ويحيى السماوي وآخرين.

اجتمعت في شخص التويجري سجايا عديدة نادرًا ما تجتمع في شخص واحد، انفتاحه وتسامحه وقبوله الآخر وبحثه عن نقاط اللقاء وتواضعه وأدبه وكرم أخلاقه وسخائه، ممّا جعلت منه محورًا تبحث معه وتلتجئ إليه أحيانًا شخصيات عربية، رسمية وغير رسمية، ليسهم في تلطيف أجواء وتليين مواقف، وكانت دعواته للمثقفين دون أي اشتراطات، ولذلك أقبل العديد من المثقفين الذين كانوا يتمنّعون عن زيارة المملكة لاعتبارات مختلفة، فأصبحوا من الشخصيات المواظبة على حضور مهرجان الجنادرية، بل وتعمّقت علاقات بعضهم معها لتتحوّل إلى صداقة، بغضّ النظر عن مواقفهم، فثمة جسور حاول أن يبنيها التويجري معهم، وأحيانًا يبحث عن المعارضين لفتح حوارات معهم.

وأستطيع القول إن التويجري كان رجل دولة حقيقي حصيفًا وندًّا صلبًا في علاقته مع الآخرين، وكان أمينًا في تعبيراته عن عروبته وإيمانه الإسلامي وإنسانيته المنفتحة، ودودًا وصاحب مروءة ومتسامحًا، وتلك صفات الشخصيات الكبيرة.

 

   أكاديمي ومفكّر


مشاهدات 63
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/02/18 - 2:52 PM
آخر تحديث 2026/02/19 - 5:38 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 660 الشهر 15120 الكلي 13946764
الوقت الآن
الخميس 2026/2/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير