متى يتصاعد الدخان؟
مجيد الكفائي
في كل مرة يُعقد فيها اجتماع جديد لقوى الإطار تتجدد الآمال ذاتها وتُعاد الحكاية نفسها:
ترقّب تسريبات ثم صمت .وكأن العراقيين عالقون في حلقة مفرغة من الوعود غير المكتملة ينتظرون لحظة الحسم التي لا تأتي .
«الدخان الأبيض” الذي أصبح رمزا للاتفاق في حاضرة الفاتيكان هو استعارة ساخرة تتردد على ألسنة الشارع بعد فترة انتظار لم تنته حيث فقدت معناها الواقعي .
المشكلة لم تعد في غياب الأسماء أو قلة المرشحين بل في طبيعة التوافق نفسه.
فالتوافق في السياق العراقي لم يعد يعني التفاهم على برنامج أو رؤية، بل تقاسم النفوذ وتوزيع المكاسب. لذلك، فإن أي إعلان مرتقب لن يكون نتيجة نضج سياسي بقدر ما سيكون ثمرة صفقة مكتملة الأركان، تُرضي الأطراف المؤثرة وتُقصي ما عداها.لقد أدرك كثير من العراقيين، بعد أشهر من الانتظار، أن ما يجري خلف الأبواب المغلقة لا علاقة له بتطلعاتهم اليومية: لا بخدمات أفضل، ولا بإصلاح اقتصادي، ولا بمكافحة حقيقية للفساد. إنما هو صراع إرادات داخل البيت الواحد، تُدار تفاصيله بدقة، ويُؤجل حسمه إلى أن تنضج “القسمة” لا “الفكرة”.والأخطر من ذلك، أن هذا النمط يعمّق فجوة الثقة بين المواطن والطبقة السياسية. فكل تأخير غير مبرر، وكل اجتماع بلا نتيجة، يرسّخ قناعة بأن القرار السياسي لا يُبنى على أساس وطني جامع، بل على حسابات ضيقة. ومع مرور الوقت، يتحول الانتظار إلى لامبالاة، والاهتمام إلى عزوف، وهي أخطر مراحل الانفصال بين الشعب والدولة.
ربما لا يكون السؤال اليوم: متى يتصاعد الدخان الأبيض؟ بل: ماذا يعني إن تصاعد أصلًا؟ هل سيكون إعلانًا عن بداية حل، أم مجرد إشارة إلى نهاية جولة جديدة من تقاسم النفوذ؟
في ظل هذا الواقع، لم يعد العراقيون بحاجة إلى إشارات رمزية بقدر حاجتهم إلى وضوح حقيقي: وضوح في المواقف، في البرامج، وفي المسؤوليات. أما الدخان، مهما كان لونه، فلن يغيّر شيئًا إن ظلّ مصدره ذات المعادلة القديمة.