انحدار الإمبراطورية الأخيرة
علي ضياء الدين
الموت لا يأتي الى الامبراطوريات بل هي التي تذهب اليه. هكذا يقول التاريخ. تموت الامبراطوريات عندما يسكرها فائض قوتها فتصرفه في حفر قبرها دون ان تنتبه الى ما تفعل. فائض القوة هذا يتجسد عبر ملامح عدة: الغرور، الجشع، الكراهية، الابتزاز، التعصب، وعمى البصيرة الذي يمنعها من رؤية نقاط القوة لدى خصومها. هذه هي القوى المدمرة الخفية التي حفرت في أسس كل الامبراطوريات التي ظهرت في التاريخ واسقطتها والتي تحفر في أسس أي امبراطورية حالية أو لاحقة وستسقطها. هكذا سقطت الإمبراطورية الرومانية ثم المغولية من بين امبراطوريات أخرى وتلتهما في عصرنا القريب الامبراطوريتان البريطانية التي عمرت طويلاً والنازية التي لم يطل عمرها طويلاً وغيرهما قبل أن تنهار كلها وتذهب الى مقابر التاريخ بعد أن أخذت البشرية الى كوارث لا سابق لها ودون أن تترك من ذكرى عنها الا وهي مقترنة باللعنات. لم توجد امبراطورية الا وكانت هيمنتها مصدر عذاب للشعوب التي وقعت تحت سطوتها. تعيش هذه الامبراطوريات على النهب المتعدد الأشكال مقترناً بالتوحش. تريد كل شيء لها ولا شيء لغيرها. ثم هي تريد لهذا الغير الا يرفع صوته احتجاجاً أو مطالباً بحقه. الامبراطوريات تسرق أراضي الشعوب ومياهها وما فوقها وما تحتها. لكن هناك شعوب لا ترتضي بهذا وقد قاومت بقدراتها المتواضعة وقدمت ضحاياها على مذبح الحرية والاستقلال واستطاعت بالتالي ان تمسك بلحظة الخلاص واستطاعت أن تثبت بأن الامبراطوريات ليست قدراً لا سبيل الى الخلاص منه. ولقد سقط بالتالي جبروت كل تلك الامبراطوريات ولم تبق منها الا آخرها الإمبراطورية الأمريكية وهي تترنح الآن وفي سبيلها الى السقوط. الظلم والقسوة والنهب ومصادرة حق تقرير المصير والتدخل في شؤون الآخرين وتغيير الأنظمة تحت شعارات الدفاع عن حقوق الانسان والحفاظ على الحريات أكاذيب لا تدوم ولا بد من ان تنكشف على حقيقتها عندما تدق ساعة الحقيقة. قد لا يتم السقوط في الحال وهو لا بد من أن يأخذ الوقت اللازم كي تنضج ظروفه لكنه سقوط آت لا محالة. الخطيئة القاتلة لهذه الإمبراطورية وتلك التي سبقتها أنها لا تتعظ من دروس التاريخ بسبب عماها لهذا نراها تعيد نفس الأخطاء وهي بهذا تعجل نهايتها.