الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التكنولوجيا من أداة بناء إلى وسيلة فناء

بواسطة azzaman

التكنولوجيا من أداة بناء إلى وسيلة فناء

كامل كريم الدليمي

 

في عالمٍ بلغ ذروة التقدم العلمي والتقني، بات من المفترض أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا أداةً لقتله. فالتطور الذي مكّن البشرية من استكشاف الفضاء، وفهم الجينات، وبناء أنظمة اتصال تربط العالم بأسره، هو ذاته الذي يُستخدم اليوم في تطوير أدوات حرب أكثر فتكًا وتعقيدًا. وهذه المفارقة تطرح سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: لماذا تُسخّر أعظم إنجازات العقل البشري في تدمير الإنسان بدلًا من إنقاذه؟

تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على الأسلحة التقليدية، بل أصبحت تعتمد على تقنيات متقدمة مثل الصواريخ فرط الصوتية، والطائرات المسيّرة الذكية، وأنظمة الاستهداف الدقيقة، وحاملات الطائرات العملاقة. هذه المنظومات، التي تتطلب سنوات من البحث ومليارات الدولارات لتطويرها، تُستخدم اليوم في صراعات إقليمية، من بينها التوترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

غير أن قراءة أعمق لهذا الواقع تكشف أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية توظيفها. فالعقول التي استطاعت أن تطوّر أنظمة توجيه صاروخي بالغة الدقة، قادرة – بلا شك – على تطوير تقنيات أكثر تقدمًا لعلاج أمراض مستعصية مثل السرطان، أو إيجاد حلول جذرية لمشكلات الفقر والجوع، أو بناء أنظمة إنذار مبكر توقف انتشار الأوبئة قبل تحولها إلى كوارث عالمية.

إن المقارنة هنا ليست خيالية، بل واقعية إلى حد بعيد. فميزانيات التسلّح العالمية تُقدّر بتريليونات الدولارات سنويًا، وهي أرقام كفيلة – لو أعيد توجيه جزء يسير منها – بإحداث تحوّل جذري في حياة البشر. تخيّل لو أن هذه الموارد استُثمرت في تطوير التعليم، وتحسين الرعاية الصحية، وتوفير الغذاء للمناطق المنكوبة، كم من الأرواح كان يمكن إنقاذها؟ وكم من المجتمعات كان يمكن أن تنهض؟

من جهة أخرى، يذهب بعض المحللين إلى أن هذه الحروب لم تعد مجرد صراعات سياسية أو أمنية، بل باتت تحمل أبعادًا اقتصادية وتجارية عميقة، حيث تتحول مناطق النزاع إلى ساحات اختبار للتكنولوجيا العسكرية، وأسواق مفتوحة لصناعة السلاح. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع القيم الإنسانية أمام حسابات الربح والخسارة، ويصبح الإنسان – في كثير من الأحيان – مجرد رقم في معادلة معقدة.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز البعد القيمي والأخلاقي، خصوصًا في المجتمعات التي تؤمن بأن الإنسان هو محور الاستخلاف في الأرض، وأن العلم يجب أن يكون وسيلة للإعمار لا للهدم. فالتحدي الحقيقي اليوم ليس في امتلاك التكنولوجيا، بل في توجيهها نحو خدمة البشرية، بما ينسجم مع القيم الإنسانية والدينية التي تدعو إلى حفظ النفس وكرامة الإنسان.

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأسلحة بقدر ما يحتاج إلى مزيد من العدالة، ولا إلى سباقات تسلّح بقدر ما يحتاج إلى سباقات في مجالات الطب والتعليم والتنمية. فالتكنولوجيا التي تستطيع أن تهدم مدينة في دقائق، قادرة – إذا أُحسن استخدامها – على بناء مستقبل أكثر إنصافًا واستقرارًا.

في النهاية، تبقى المسؤولية مشتركة بين الدول، والمؤسسات، والعقول العلمية، في إعادة تعريف أولويات هذا العصر. فإما أن تستمر التكنولوجيا في خدمة الحروب، أو أن تتحول إلى جسرٍ يعبر بالبشرية نحو عالمٍ أكثر إنسانية .

 


مشاهدات 48
الكاتب كامل كريم الدليمي
أضيف 2026/04/06 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/04/07 - 2:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 5172 الكلي 15223245
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير